فهرس الكتاب
ينزع إلى اعتبار الحياة صورة مكانية لا حركة ونشاطا. وفي الحقيقة يبدو أن التطور الحديث للفكر العلمي قد عزز فكرة برجسون فالمادة بدأت تزداد شبها بالقوة، إذ أن الذرة تنحل إلى إلكترون (شحنة كهربية سالبة) ، ثم ينحل الإلكترون إلى قوة لا مادية هي قوة الحياة - وهي التي أطلق عليها برجسون اسم"الواقع الحيوي"ولكن بالرغم من ذلك، فإن الكثيرين منا حتى اليوم. كما قال برجسون، لا يدركون أن العالم ليس كائنا في المكان وحده، بل يتحرك أيضًا في الزمان. فله امتداد في الزمن، كما أن له امتدادا في المكان. ويقول برجسون:"إن هذه الديمومة هي التقدم المتصل الذي أحرزه الماضي وهو يقرض طريقه في جوف المستقبل، فيزداد امتلاء كلما سار إلى الأمام". فلن تضيع قط لحظة واحدة من زمن. ومعنى ذلك"أن الماضي من بدئه الأزلي (لم يفن) ، وإنما هو يمتد ويتداخل في الزمان الحاضر ويظل هناك قائما وفعالا". وإذا ما نظرنا إلى التاريخ بأكمله وجدنا أنه تراث عام لنا جميعا، ومثير شخصي لكل فرد منا في آن معا. فبالرغم من أن ذاكرتنا الواعية قد تسترجع بضعة أحداث فحسب من الماضي، إلا أن غريزتنا اللاشعورية تمكننا من استخدام كل ما قد تراكم من تجارب الجنس البشري في حل مشكلاتنا اليومية. وهكذا يتضح أن كل فرد منا ليس مجرد عجلة تدور في عملية آلية، بل هو بالأحرى بؤرة للتطور الخلاق تجمع كل أشعة الماضي لكي تنشر نورا جديدًا على المستقبل.
وبالرغم من قصور ذاكرتنا، إلا أنها تقوم بوظيفة نافعة في خدمة غريزتنا."فالوظيفة الأساسية للذاكرة هي استدعاء الصور الذهنية التي مرت بنا مقرونة بما سبقها وما تلاها. فنتمكن بذلك من الحكم في المواقف المشابهة التي تعرض لنا حكما صادقا".