فهرس الكتاب
فقد إمرسن أباه وهو ما زال طفلا. ففتحت أمه نزلا لكي تعول أبناءها الخمسة الصغار. ولذلك تعلم رالف منذ نعومة أظفاره أن يتعرف إلى الناس ويحبهم، كما أنه اكتسب نظرته المتفائلة إلى الحياة أي براعته في أن يظل مبتهجا وهو بين مخالب الفقر، ففي الشتاء لم يكن له ولأحد إخوته سوى معطف واحد يتبادلانه، ولذا كانا يضطران أن يرتدياه بالتناوب يوما بعد يوم. وقد استغل رالف ملازمت للبيت أحسن استغلال، فكان ينصت إلى المحادثة التي تجري بين الكبار، ويقرأ ما في مكتبة أمه من كتب. وقبل أن يبلغ دور المراهقة كان قد ألم بفلسفة أفلاطون وبسكال والأوبانيشاد.
ولكن غذاءه البدني أحيانا لم يكن يعادل حياته الروحية. فقد كان من العسير على أمه أن توازن بين الدخل والنفقات. وكان في وسعها أن تعيش بنفقات أقل في الريف، ولكنها أصرت على البقاء في بوسطن، لأن أطفالها، كما قالت،"ولدوا ليتعلموا"،"ليقفوا على منبر الوعظ مثل أبيهم". فألحقت رالف بمدرسة بوسطن اللاتينية، وهي أقدم مدرسة خاصة في القطر، ثم ضيقت على نفسها وعملت وكدحت لتلحقه بهارفارد ليتم دراسته. وكان أن تخرج وهو لا يتعدى الثامنة عشرة من عمره، طويل القامة، نحيل القوام أشبه ما يكون بعمود المصباح، وفي عينيه وهج واحمرار كوهج المصباح. ولم يكن هذا الوهج إلا نار العبقرية المشتعلة في هاتين العينين، ولهيب المرض يشع منهما. لقد وقع فريسة المرض الذي أصيبت به أسرة إمرسن - وهو السل - الذي قضى على أبيه من قبل، وكان على وشك إفناء إثنين من إخوته. وهكذا عاش لاثني عشر عاما"في منزل الألم"، وقاتل الموت قتال المستميت، وجاهد ليجد مركزا