فهرس الكتاب
ماليا وماديا على السواء لكي يطل منه على الحياة. فحاول التدريس بين تلال روكسبري، وهي إحدى ضواحي بوسطن،"حيث يستطيع بسطاء الريف أن يقابلوا الله. وكان يكتب شعرا له رنين النثر، ونثرا ينشد كالشعر، ولكنه عجز عن أن يبيع من شعره أو نثره ما يمكنه من كسب قوته. وكان إذا ما دعي لإلقاء العظات في الكنائس المختلفة، خلب لب أفراد المصلين بصوته - هذه الآلة الذهبية الرخيمة الحنون التي كانت تذيب صقيع القواعد والأصول المرعية في نيو انجلند وكانها شمس إبريل. ومصداقا لذلك كتبت سيدة من أهالي نورثمبتن إلى شقيقتها تقول:"يا للعجب يا سالي! فقد كنا نظن أننا سنكرم وفادة رجل تقي معوز، ولكن ها هو ذا، ملاك يفاجئنا على غرة"."
لكن هذا الملاك الأمريكي كان قد خرج على العرف التقليدي في الدين إلى درجة أغضبت"عمد الكنيسة". كما كان له من صدق مسيحيته مالا يصلح معه أن يكون لاهوتيا. فقد قال إن الناس يبالغون في رعاية الناحية الشكلية من الدين، في حين لا يهتمون بالناحية الروحية الواجبة. حتى لقد حدث أن سادن إحدى الكنائس شك من أن إمرسن لم يكن في وسعه"أن يعظ في إحدى الجنائز بطريقة يكون لها أثرها المطلوب".
كلا لم يكن إمرسن الرجل الذي يستطيع أن يعظ الناس بطريقة حزينة وهو يتحدث عن الموت. فقد كان شاعر الحياة. ولذلك تخلى عن الوعظ من المنابر وخرج إلى الحياة يبحث عن معناها. وأخذ يجوب في الريف طويلا محاولا أن يوفق بين أذنه وقلبه وبين أنغام الطبيعة الموسيقية. فلم يكن كما سبق أن أشار الفلاسفة الشرقيون القدامى، إلا جزءًا لا يتجزأ من عالم حي. وكان عقله خلية هامة في عقل العالم - أو كما كان يفضل هو أن يسميه"روح"