فهرس الكتاب

الصفحة 400 من 440

ينبذون الدين ولكنهم يعجزون عن تفسير تعطش الإنسان إلى الدين، فيلاحظ سانتيانا أن غريزة الجوع تدل مقدما على وجود الطعام: كذلك البحث عن الله عند الناس جميعًا إن هو إلا دليل قوي على وجود الله". وهكذا نرى أن الإلمام بهذه الحقيقة يضع كل الملحدين - وسانتيانا نفسه من بينهم - وجها لوجه مع حقيقة وجود الله. وفي الحق، أن العقل الإنساني، ليشعر أنه"قريب الشبه بالله"."

ولذلك اعترف سانتيانا، وإن كان ذلك على مضض، بأن عقله الشاعري حفزه على الإقلاع عن شكه العلمي."فللدين تأثيره العميق، لأن الحق ماثل في أعماقه".

وقد عثر على هذا الحق العميق في دينه الذي كان قد تخلى عنه في شبابه. فإن ما رآه من جمال في العقيدة الكاثوليكية - وفي كل عقيدة - كان قد ترسب في أعماق نفسه. فكما لاحظ احد نقاده عندما قال متفكها:"إن سانتيانا لا يؤمن بوجود الله، ولكنه يؤمن بأن مريم أم الإله". وبالرغم من أنه طرح الطقوس المادية للعقيدة جانبًا، فإنه ما فتىء يحب جمالها الروحي. كما أخذ عن أفلاطون مرة أخرى ما كان ينادي به من أن الجمال والحق مترادفان.

ولذلك قال سانتيانا إن العقيدة أكثر من خرافة، وإن العالم أكثر من آلة، فليس الوجود كيانا يحكم تركيبه بل يحكم نموه. ولم نر بعد آلة تنمو من بذرة كما تنبت الزهرة.

وهكذا يقوم مذهب سانتيانا الفلسفي على أسس متعارضة تزعم لنفسها الاتساق؛ فهو يقول: إن عالم تجاربنا المادي إن هو إلا صورة ذهنية أو لمحة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت