فهرس الكتاب

الصفحة 91 من 440

الاستعداد دائمًا للتدخل في شؤون الآخرين، أما عيناه الثاقبتان فكانت تشع منهما نظرة

رحيمة، وكانت شفتاه الغليظتان تفتران عن ابتسامة ساخرة، وإن كانت ودية في نفس الوقت.

وهاتان الشفتان البليغتان كانتا في شغل دائم، تجادلان الناس وتقضان مضاجعهم وتظهران جهلهم على الملأ. وكان هو أيضًا مستعدًّا أن يعترف بجهله. فبالرغم من ذيوع شهرته"كأحكم رجل في أثينا"إلا أنه كان يصرح أن ما يسمونها حكمة سقراط كانت تنحصر في هذا الشعار

فحسب:"إني أعرف أني لا أعرف شيئًا".

وكانت قوة احتماله الجسيمة، مساوية لقوة عارضته وشدة مراسه العقلي. فبينما كان يخدم في الجيش وهو شاب صغير، كان يمشي فوق الثلج والجليد، حافي القدمين، في الوقت الذي كان يتذمر فيه الجنود الآخرون ويرتجفون، وهم ينتعلون أحذية مبطنة بصوف الغنم. ولم يكن من سقراط إلا أن يعنفهم على شكواهم، ثم يستمر في سيره وهو يغني.

وكان رفاقه يعجبون من قوته ويهيمون به لرقته. فقد كان متأهبًا دائمًا لخدمتهم إذا سقطوا صرعى المرض، وتضميد جراحهم، بل وإنقاذ حيواتهم ولو كان ذلك على حساب حياته.

وحتى في شبابه كانت تحوطه هالة من الغرابة والشذوذ، فكان يقص على أصدقائه أنه كثيرًا ما يسمع صوتًا من السماء - كما كان يدَّعي الأنبياء العبريون من قبل - وإن هذا الصوت كان يوحي إليه بما ينبغي أن يفعل، أو بالأحرى ينهاه عما ينبغي ألا يفعل. وكانت تنتابه حينا بعد حين نوبات غيبوبة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت