فاشتاط غضبا بعض الأحناف المتأخرين فجرد قلمه للرد على تلك الرسالة بكتاب سماه"إحقاق الحق"تجنى فيه على الشافعية بل على أئمة الإسلام الذين كانت لهم أيادي بيضاء في خدمة هذا الدين عامة والسنة النبوية خاصة كالذهبي والدارقطني وغيرهما.
ولم يكتف بهذا بل طعن في نسب الشافعي وزعم ناقلا عن غيره أن الإمام الشافعي مولى لبعض بني هاشم وليس هاشميا صليبة!!
وهذا رد لما هو معلوم من أنساب الإئمة بالضرورة لا لشيء إلا لطمس فضيلة ومنقبة لهذا الإمام، وقد ثبت في مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"اثنتان في الناس هما بهم كفر الطعن في النسب والنياحة على الميت".
ولم يعلم هذا المسكين أنه قد تجاوز خطوط الشرع الحمراء وتجرأ على أهل العلم المتفق على إمامتهم وجلالتهم من أجل الانتصار لإمامه البريء من هذا الشطح.
لقد بلغ التعصب المذهبي ذروته عندما يقتتل مذهبان وتفنى قرى ويهرب أناس فارين بأنفسهم وأموالهم من الفناء والدمار، كما تقطع الأرحام ويهجر العالم ليس لأنه ارتكب كبيرة في الدين بل لأنه حول مذهبه، كما حصل مع أبي المظفر السمعاني حين تحول من الحنفي إلى الشافعي.
ونجد الصورة نفسها عند المالكية حيث يجعلون مذهبهم هو أولى المذاهب بالحق وأن غير مالك إنما هو تلميذ لمالك -تماما كما قال الحنفية في أبي حنيفة- وينص بعض المالكية على تضعيف الإمامين أبي حنيفة والشافعي كما فعل القاضي عياض في أوائل كتابه المدارك.
ونجد ابن العربي [المقلد] يسفه أراء الإمام الشافعي [المجتهد] فأين الثريا وأين الثرى.
بل يزعم"ابن العربي"بأنه ما من مسألة للشافعي إلا وله فيها إشكال كبير.
وهذا بلا شك تعصب مقيت ما كنا نود أن يقع في ابن العربي وأمثاله، ولكن هو مرض سرى في كثير من المتمذهبين، خاصة عندما لا يميزون بين الشرع المعصوم وأقوال الرجال التي يرد منها ويؤخذ، وفقا لمعيار النص وأصول الاستدلال.