وأصرح من هذا قوله تعالى: {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} [النحل: 123] وهذا شامل لكل ما هو عليه من التوحيد، والإخلاص لله تعالى، والقيام بحق العبودية.
وأعم من ذلك وأشمل قوله تعالى لما ذكر الأنبياء: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} [الأنعام: 90] فأمره الله أن يقتدي بجميع ما عليه المرسلون من الهدى، الذي هو العلوم النافعة، والأخلاق الزاكية، والأعمال الصالحة، والهدى المستقيم. وهذه الآية أحد الأدلة على الأصل المعروف: «أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد شرعنا بخلافه» . وشرع الأنبياء السابقين هو هداهم في أصول الدين وفروعه.
وكذلك قوله تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ} [الأنعام: 153] وهذا يعمُّ جميع ما شرعه لعباده فعلاً، وتركاً، اعتقاداً، وانقياداً. وأضافهُ إلى نفسه في هذه الآية لكونه الذي نصبه لعباده، كما أضافه إلى الذين أنعم عليهم في قوله: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} [الفاتحة: 7] لكونهم هم السالكون له. فصراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين: ما اتصفوا به من العلوم، والأخلاق، والأوصاف، والأعمال.
وكذلك قوله: {4 5 6 7 8} [الكهف: 110] يدخل في ذلك جميع العبادات، الظاهرة والباطنة، العبادات الاعتقادية والعملية.
كما أن وصف الله لرسوله صلّى الله عليه وسلّم بالعبودية المضافة إلى الله {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ} [الإسراء: 1] {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا} [البقرة: 23] {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ} [الفرقان: 1] يدل على أنه وفَّى جميع مقامات العبودية؛ حيث نال أشرف المقامات بتوفيته لجميع مقامات العبوديات.