ولكن ينبغي أن يعرف العبد أن الحق المشترك ليس معناه أن ما لله منه يثبت نظيره من كل وجه لرسوله، بل المحبة والإيمان بالله، والطاعة لله، لا بد أن يصحبها التعبد، والتعظيم لله، والخضوع، وأما المتعلِّق بالرسول من ذلك فإنه حب في الله، وطاعة لأجل أن من أطاع الرسول فقد أطاع الله، بل حق الرسول على أمته من حق الله تعالى، فيقوم المؤمن به امتثالاً لأمر الله، وعبودية له، وقياماً بحق رسوله، وطاعة له، وإنما قيل له: «حق الرسول» لتعلُّقه بالرسول، وإلا فجميع ما أمر الله به وحثَّ عليه من القيام بحقوق رسوله، وحقوق الوالدين، والأقارب، وغيرهم، كله حق لله تعالى، فيقوم به العبد امتثالاً لأمر الله، وتعبداً له، وقياماً بحق ذي الحق، وإحساناً إليه، إلا الرسول، فإن الإِحسان منه كله إلى أمته، فما وصل إليهم خير إلا على يديه صلّى الله عليه وسلّم تسليماً.
القاعدة الثالثة والأربعون:
يأمر الله بالتثبت وعدم العجلة في الأمور التي يُخشى من عواقبها،
ويأمر ويحث على المبادرة على أمور الخير التي يُخشى فواتها.
وهذه القاعدة في القرآن كثير، قال تعالى في القسم الأول: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا} [النساء: 94] وفي قراءة: {فتثبتوا} . وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ} [الحجرات: 6] وقد عاتب الله المتسرِّعين إلى إذاعة الأخبار التي يُخشى من إذاعتها فقال تعالى: وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ
الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ الآية [النساء: 83] . وقال تعالى: {بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ} [يونس: 39] .