و من ذلك ما يحكى عن عبد المسيح بن بقيلة لما نزل بهم خالد بن الوليد على الحيرة ، وذلك أنه خرج إليه عبد المسيح بن بقلية ، فلما مثل بين يديه قال: أنعم صباحا أيها الملك فقال له خالد:
-قد أغنانا اللّه عن تحيتك هذه بسلام عليكم ، ثم قال له:
-من أين أقصى أثرك؟
قال: من ظهر أبي.
قال: فمن أين خرجت؟
قال: من بطن أمي.
قال: فعلام أنت؟
قال: على الأرض.
قال: ففيم أنت؟
قال: في ثيابي.
قال: ابن كم أنت؟
قال: ابن رجل واحد.
قال خالد: ما رأيت كاليوم قطّ ، أنا أسأله عن الشيء وهو ينحو في غيره!
وهذا من توجيه الكلام على نمط حسن ، وهو يصلح أن يكون جوابا لخالد عما سأل ، وهو يصلح أن يكون جوابا لغيره مما ذكره عبد المسيح بن بقيلة.
توجيه طريف لافلاطون:
ومما يجري على هذا النهج ما يحكى عن أفلاطون أنه قال:
"ترك الدواء دواء"، فذهب بعض الأطباء أنه أراد: إن لطف المزاج وانتهى إلى غاية لا يحتمل الدواء فتركه حينئذ والاضراب عنه دواء.
وذهب آخرون أنه أراد بالترك الوضع ، أي وضع الدواء على الداء دواء. يشير بذلك إلى حذق الطبيب في أوقات علاجه.
التوجيه المضاد في الشعر:
فإذا عدنا إلى الشعر وأينا الفرزدق ينحو في شعره هذا النحو من التوجيه فيقول:
إذا جعفر مرّت على هضبة الحمى فقد أخزت الاحياء منها قبورها
وهذا - كما ترى - يدل على معنيين متضادين: أحدهما ذمّ الاحياء ، والآخر ذم الأموات. أما ذم الاحياء فهو أنهم خذلوا الأموات ، يريد أنهم تلاقوا في قتالهم وقوما آخرين ففرّ الاحياء عنهم وأسلموهم ، أو أنهم استنجدوهم فلم ينجدوهم. وأما ذم الأموات فهو أن لهم مخازي وفضائح توجب عارا وشنارا ، فهم يعيرون بها الاحياء ويلصقونها بهم.
بيت لأبي تمام:
وعلى هذا ورد قول أبي تمّام:
بالشعر طول إذا اصطكّت قصائده في معشر وبه عن معشر قصر