فهرس الكتاب
قوله عزَّ من قائل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ ...(135)
القسط هو ما يعطيه الميزان والمكيال، وحكم الحق يعبر عنه بالعدل، وهو ما يأمر به
كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، يؤثره العقل الصائب بإرشاد الشرع إليه، وهو أيضًا
الموجود في حكمة الله تعالى وصنعه في صنائعه في السَّمَاوَات والأرض وما بين
ذلك، وفيما علا وسفل، وفي حكمه على عباده من تقديم أو تأخير أو رفع أو
خفض بسط أو قبض، وما وصف به نفسه - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه من الصفات
العلا، وتسمى به من الأسماء الحسنى، وما له من المثل الأعلى، كذلك فيما خلق
ورزق وفطر أو ذرأ وبرأ، وهو القائم بالقسط في شهادته لنفسه، وشهادته لعباده
وعليهم.
ولذلك حضَّ على ذكره عباده، وعلى القيام بالقسط على أنفسهم، وعلى
ذويهم والأباعد والأقارب، وكذلك عليهم أيضًا أن يقوموا لله - جلَّ ثناؤه -
بالشهادة له بما شهد لنفسه، وشهدوا على أنفسهم بما شهد - جلَّ جلالُه - عليهم ولهم، ثم
بملائكته وأنبيائه ورسله والمؤمنين، وجميع عباده عليهم أن يقوموا بالشهادة لهم
وعليهم.
قوله - جلَّ جلالُه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ ... ) إلى قوله: (بَعِيدًا) المطلوب من جميع المكلفين الإيمان بالله جلَّ ذكره وبما هو عليه من نعوت التعالي وصفات
الجلال، ثم بأحكامه وأفعاله وقدره كله وبما جاء من عنده.
ثم بالملائكة - على جميعهم صلوات الله وسلامه - والأنبياء والرسل -
صلى اللَّه عليهم - دون تفرقة بين ذلك، ولا توقيف إيمان ببعض دون بعض، فالله
جل ذكره الواحد لا إله إلا هو الواحد الصمد (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ(3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ).
والملائكة - صلوات الله وسلامه على جميعهم - كلهم كملك واحد من حيث
الإيمان بهم، وكذلك الأنبياء والرسل - على جميعهم الصلاة والسلام - الإيمان