انتهى ما أردته هنا من الأناجيل من هذه القصة، فقد بان لك أن أناجيلهم كلها اتفقت على أن علمهم في أمره انتهى إلى واحد، وهو الإسخريوطي، وأما غيره من الأعداء فلم يكن يعرفه، وأنه إنما وضع يده عليه، ولم يقل بلسانه: إنه هو، وأن الوقت كان ليلاً، وأن عيسى نفسه قال لأصحابه: كلكم تشكون في هذه الليلة، وأن تلاميذه كلهم هربوا، فلم يكن لهم علم بعد ذلك بما اتفق في أمره، وأن بطرس إنما تبعه من بعيد، وأن الذي دل عليه خنق نفسه، وأن الناقل لأن الملك قال: إنه قام من الأموات، إنما هو نسوة كن عند القبر في مدى بعيد، وما يدري النسوة الملك من غيره - ونحوه ذلك من الأمور التي لا تفيد غير الظن بالجهد، وأما الآيات التي وقعت فعلى تقدير تسليمها لا يضرنا التصديقُ بها، وتكون لجرأتهم على الله بصلب من يظنونه المسيح ومن أحسن ما في ذلك قوله بعد اجتماعهم به بعد رفعه: أعطيت كل سلطان، فأثبت أن المعطي غيره، وهذا كله يصادق القرآن في أنهم في شك منه، ويدل على أن المصلوب - إن صح أنهم صلبوه من ظنوه إياه - هو الذي دل عليه، كما قال بعض العلماء: إنه ألقى شبهه عليه، ويؤيد ذلك قولهم: إنه خنق نفسه، فالظاهر أنهم لما لم يروه بعد ذلك ظنوا أنه خنق نفسه، فجزموه به - والله أعلم، وقوله: إنك يا رباه فيّ وأنا فيك، ليكونوا - أي التلاميذ - فينا، ونحوه مما يوهم حلولاً المراد به الاتحاد في المراد بحيث أن واحداً منهم لا يريد إلا ما يريد الآخر، ولا يرضى إلا ما يرضاه، فهو من وادي ما في الحديث القدسي
"كنت سمعه الذي يسمع به"- إلى آخره، وكذا إطلاق الابن والأب معناه أنه يعاملهم في لطفه معاملة الأب ابنة، فالمراد الغاية، كما يؤل ذلك في إطلاق الغضب والمحبة ونحو ذلك في حق الله تعالى في شرعنا، وقد مضى كثير من رد المتشابه في مثل ذلك إلى المحكم في آل عمران، ومضى في ذلك الموضع وغيره أن كل ما أوهم نقصاً لا يجوز في شرعنا إطلاقه على الله تعالى - والله الموفق. انتهى انتهى. {نظم الدرر حـ 2 صـ 351 - 364}