وكما صدقنا أن عيسى ابن مريم جاء من غير أب ، لا بد أن نصدق أن الحق قد رفعه في النهاية وأخذه ، فلم يكن الميلاد في حدود بلاغ الحق لنا . والميلاد والنهاية بالنسبة لعيسى ابن مريم كل منهما عجيبة . وإن فهمنا العجيبة الأولى في الميلاد فنحن نعتبرها تمهيداً إلى أن عيسى ابن مريم دخل الوجود ودخل الحياة بأمر عجيب ، فلماذا لا يخرج منها بأمر عجيب؟ وإن حدثنا الحق أن عيسى ابن مريم خرج من الحياة بأمر عجيب فنحن لا نستعجب ذلك ؛ لأن من بدأ بعجيب لا عجب أن ينتهي بعجيب .
وسبحانه وتعالى حكم وقال: {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ ولكن شُبِّهَ لَهُمْ} وكلمة {شُبِّهَ لَهُمْ} هذه هي دليل على هوج المحاولة للقتل ، فقد ألقى شبهه على شخص آخر . وذلك دليل على أن المسألة كانت غير طبيعية ، ليس فيها حزم التبيّن من المتربصين القتلة . ونعلم أن الحواريين وأتباع سيدنا عيسى كانوا يلفون رءوسهم ويدارون سماتهم ، ولذلك قال الحق لنا: {ولكن شُبِّهَ لَهُمْ} أي أنهم قد شبه لهم أنهم قتلوه .
واختلفت الروايات في كلمة"شبه لهم"، فمن قائل: إنهم حينما طلبوا عيسى ابن مريم ليقتلوه دخل خوخة ، والخوخة هي باب في باب ، وفي البيوت القديمة كان يوجد للبيت باب كبير لإدخال الأشياء الكبيرة ، وفي هذا الباب الكبير يوجد باب صغير يسمح بمرور الأفراد ، وفي سقف يسمح بمرور الأفراد ، وفي سقف البيت توجد فتحة وكوَّة اسمها (روزنة) أو (ناروظة) .
فلما طلبوا عيسى دخل الخوخة ، ودخل خلفه رجل اسمه"تطيانوس"وعندما رأى سيدنا عيسى هذا الأمر ألهمه الله أن ينظر إلى أعلى فوجد شيئاً يرفعه ، فلما استبطأ القومُ"تطيانوس"خرج عليهم فتساءلوا: إن كان هذا تطيانوس فأين عيسى؟ وإن كان هذا عيسى فأين تطيانوس؟