ففي هذه الحالة يكون الوصف بالسوء - ويشمل ما تعبر عنه المصطلحات القانونية بالسب والقذف - انتصاراً من ظلم ، ودفعاً لعدوان ، ورداً لسوء بذاته قد وقع بالفعل على إنسان بذاته ؛ وتشهيراً بالظلم والظالم في المجتمع ؛ لينتصف المجتمع للمظلوم ؛ وليضرب على يد الظالم ؛ وليخشى الظالم عاقبة فعله ، فيتردد في تكراره.. والجهر بالسوء عندئذ يكون محدد المصدر - من الشخص الذي وقع عليه الظلم - محدد السبب - فهو الظلم المعين الذي يصفه المظلوم - موجهاً إلى شخص بذاته هو الذي وقع منه الظلم.. عندئذ يكون الخير الذي يتحقق بهذا الجهر مبرراً له ؛ ويكون تحقيق العدل والنصفة هو الهدف لا مطلق التشهير..
إن الإسلام يحمي سمعة الناس - ما لم يظلموا - فإذا ظلموا لم يستحقوا هذه الحماية ؛ وأُذن للمظلوم أن يجهر بكلمة السوء في ظالمه ؛ وكان هذا هو الاستثناء الوحيد من كف الألسنة عن كلمة السوء.
وهكذا يوفق الإسلام بين حرصه على العدل الذي لا يطيق معه الظلم ، وحرصه على الأخلاق الذي لا يطيق معه خدشاً للحياء النفسي والاجتماعي..
ويعقب السياق القرآني على ذلك البيان هذا التعقيب الموحي:
{وكان الله سميعاً عليماً} ..
ليربط الأمر في النهاية بالله ، بعد ما ربطه في البداية بحب الله وكرهه: {لا يحب الله الجهر بالسوء..} .
وليشعر القلب البشري أن مرد تقدير النية والباعث ، وتقدير القول والاتهام ، لله ، السميع لما يقال ، العليم بما وراءه مما تنطوي عليه الصدور.
ثم لا يقف السياق القرآني عند الحد السلبي في النهي عن الجهر بالسوء ؛ إنما يوجه إلى الخير الإيجابي عامة ؛ ويوجه إلى العفو عن السوء ؛ ويلوح بصفة الله سبحانه في العفو وهو قادر على الأخذ ، ليتخلق المؤمنون بأخلاق الله سبحانه فيما يملكون وما يستطيعون:
{إن تبدوا خيراً أو تخفوه أو تعفوا عن سوء ، فإن الله كان عفواً قديراً} .