وأجيب بعد تسليم ما فيه أن البشر حال كونه بشراً محال أن يكون ملكاً لتمايزهما بالعوارض المتنافية بلا خلاف وإقدام آدم عليه الصلاة والسلام بعد سماع {مَا نهاكما رَبُّكُمَا عَنْ هذه الشجرة إِلا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الخالدين} [الأعراف: 20] على الأكل ليس طمعاً في الملكية حال البشرية على أنه يجوز أن يقال: إنه لم يطمع في الملكية أصلاً وإنما طمع في الخلود فأكل. انتهى انتهى. {روح المعاني حـ 7 صـ}
وجملة {إنْ أتَّبع إلاّ ما يُوحي إليّ} مستأنفة استئنافاً بيانياً لأنّه لمَّا نفي أن يقول هذه المقالات كان المقامُ مثيراً سؤال سائل يقول: فماذا تدّعي بالرسالة وما هو حاصلها لأنّ الجهلة يتوهَّمون أنّ معنى النبوءة هو تلك الأشياء المتبرّأ منها في قوله: {قل لا أقول لكم عندي خزائن} الخ، فيجاب بقوله: {إن أتَّبع إلاّ ما يوحي إليّ} ، أي ليست الرسالة إلاّ التبليغ عن الله تعالى بواسطة الوحي.
فمعنى {أتَّبع} مجاز مرسل في الاقتصار على الشيء وملازمته دون غيره.
لأنّ ذلك من لوازم معنى الاتِّباع الحقيقي وهو المشي خلف المتّبَع بفتح الموحّدة، أي لا أحيد عن تبليغ ما يوحى إليّ إلى إجابة المقترحات من إظهار الخوارق أو لإضافة الأرزاق أوْ إخبار بالغيب، فالتَّلقِّي والتبليغ هو معنى الاتِّباع، وهو كنه الرسالة عن الله تعالى.
فالقصر المستفاد هنا إضافي، أي دون الاشتغال بإظهار ما تقترحونه من الخوارق للعادة.
والغرض من القصر قلب اعتقادهم أنّ الرسول لا يكون رسولاً حتَّى يأتيهم بالعجائب المسؤولة.
وقد حصل بذلك بيان حقيقة الرسالة تلك الحقيقة التي ضلّ عن إدراكها المعاندون.
وهذا معنى قوله تعالى: {وما نرسل المرسلين إلاّ مبشِّرين ومنذرين} [الأنعام: 48] .