وقرر الزمخشري الأول تأييداً لمذهبه فقال في تفسير الآية: أي: لا أدعي ما يستبعد في العقول أن يكون لبشر من ملك خزائن الله ، وهي قِسَمه بين الخلق وأرزاقه ، وعلم الغيب ، وإني من الملائكة الذين هم أشرف جنس خلق الله تعالى ، وأفضله ، وأقربه منزلة منه . أي: لم أدع إلهية ولا ملكية ، لأنه ليس بعد الإلهية منزلة أرفع من منزلة الملائكة ، حتى تستبعدوا دعواي وتستنكروها ، وإنما أدعي ما كان مثله لكثير من البشر ، وهو النبوة . انتهى .
وتعقبه الناصر في"الانتصاف"بقوله: هو يبنى على القاعدة المتقدمة له ، في تفضيل الملائكة على الأنبياء . ولعمري إن ظاهر هذه الآية يؤيده ، فلذلك انتهز الفرصة في الاستدلال بها . ولمخالفه أن يقول: إنما أوردت الآية ردّاً على الكفار في قولهم: {مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً * أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنزٌ} . . الآية - فردّ قولهم: {مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ} بأنه بشر ، وذلك شأن البشر ، ولم يدّع أنه ملك حتى يتعجب من أكله للطعام ، وحينئذ لا يلزم منها تفضيل الملائكة على الأنبياء ، لأنه لا خلاف أن الأنبياء ، يأكلون الطعام ، وأن الملائكة ليسوا كذلك ، فالتفرقة بهذا الوجه متفق عليها ، ولا يوجب عليه ذلك اتفاقاً على أن الملائكة أفضل من الأنبياء .
وكذلك رد قولهم: {أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنزٌ} بأنه لا يملك خزائن الله تعالى حتى يأتيهم بكنز منها على وفق مقترحهم ، ولا قال لهم ذلك حتى يقام عليه الحجة به .