قوله تعالى: (قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ من رَّبِّي) أي دلالة ويقين وحجة وبرهان، لا على هوى؛ ومنه البينة لأنها تبين الحق وتظهره. (وَكَذَّبْتُم بِهِ) أي بالبينة لأنها في معنى البيان؛ كما قال: (وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُوا الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكينْ فَارْزُقُوهم مِّنْهُ. . .) . وقيل يعود على الرب، أي كذبتم بربي لأنه جرى ذكره.
وقيل: بالعذاب. وقيل: بالقرآن. وفي معنى هذه الآية والتي قبلها ما أنشده مصعب بن عبد الله بن الزبير لنفسه، وكان شاعرا محسنا رضي الله عنه:
أأقعدُ بعد مارجفتْ عظامي ... وكان الموتُ أقربُ ما يَلِينِي
أُجادلُ كل مُعترِضٍ خَصِيم ... وأجعل دِينَه غَرَضًا لِدِينِي
فأتركُ ما علمتُ لرأي غيرِى ... وليس الرأيُ كالعلم اليقينِ
وما أنا والخصومةُ وهْى شيء ... يُصرَّفُ فِى الشَّمال وفِى اليَمِينِ
وقد سُنَّت لنا سُنَن قِوام ... يَلُحْنَ بكلِّ فَجِّّ أَو وَجِين
وكان الحقُّ ليس به خفاء ... أَغَرَّ كَغُرَّةِ القَلَقِ المبينِ
وما عوِضٌ لنا مِنهاجُ جَهْمٍ ... بمنهاج ابنِ آمنةَ الأمينِ
فأمَّا ما علمتُ فقدكَفَانِي ... وأمَّا ما جهلتُ فجنبونِي
قوله تعالى: (مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ) أي العذاب؛ فإنهم كانوا لفرط تكذيبهم يستعجلون نزوله استهزاء نحو قولهم: (أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا. . .) ، ( ... اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاء. . .) ، وقيل: ما عندي من الآيات التي تقترحونها. (إِنِ الْحُكمُ إِلَّا لِلَّهِ) أي ما الحكم إلا لله في تأخير العذاب وتعجيله.