فهرس الكتاب
لأنك لا تستطيع أن تنتفع بحركتك في النور إلا إذا كنت نشيطاً ومرتاحاً أثناء الليل . فإن لم ترتح كنت مرهقاً ولن تستطيع العمل بدقة في حركة النهار . إذن فالظلمة مقصودة في الوجود . ولذلك فالحضارة الراقية هي التي تنظم حياة الإنسان ليعمل نهارا ويستريح ليلاً ، حتى لا يستأنف عمله في الصباح مكدوداً . ومن يزور ريف مصر هذه الأيام يفاجأ بأن أهل الريف قد سهروا طوال الليل مع أجهزة الترفيه ، ويقومون إلى العمل في الصباح وهم مكدودون مرهقون .
ونقول: لنأخذ الحضارة من قمتها ، ولا نأخذ الحضارة من أسفلها ؛ فحين تذهب إلى أوروبا تجد الناس تخلد وتسكن ليلاً ، ومن يسير في الشارع لا يسمع صوتاً ولا يجد من يخرج من بيته ، ولا تسمع صوت ميكروفون في الشارع ؛ حتى ينال كل إنسان قسطه من الهدوء ، ويختلف الأمر في بلادنا: فالشوارع تمتلئ بالضجيج ، والمريض لا يستطيع أن يرتاح ، ومن يذاكر لا يجد الهدوء اللازم ، ومن يتعبد تخرجه الضوضاء من جوّ العبادة ، ونجد من يصف ذلك بأنه نقلة حضارية!!
ونقول: لتأخذ كل نعمة من نعم الله على قدر معطياتها في الوجود النافع لك ، وحين يأتي الليل عليك أن تطفئ المصباح حتى تهجع ولا تتشاغب فيك جزئياتك وتكوينك .
وسبحانه يقول: {فَالِقُ الإصباح} و {فَالِقُ} - كما قلنا - تعني شاقق ، فهل الإصباح ينفلق؟ . وبماذا؟ . ونقول: إن {فَالِقُ} هي اسم فاعل ، مثلما نقول:"قاتل الضربة"أي أن الضربة من يده قاتلة .
و {فَالِقُ الإصباح} معناها أن الصباح ينفلق عن الظلمة ؛ لأن الظلمة متراكمة وحين يأتي الإصباح فكأنه فلق الظلمة وشقها ليخرج النور ، وتعني {فَالِقُ الإصباح} أيضاً أن الفلق واقع على الإصباح فيأتي من بعده الظلام ، وهذه من دقة الأداء البياني في القرآن ؛ لأن الذي يتكلم إله .
وامرؤ القيس قال:
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي ... بصبح وما الإصباح منك بأمثل
والصبح والإصباح معناهما واحد .