فهرس الكتاب
{فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ} أي: من الإقدام على سؤالي الرؤية {وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ} أي: بأنه لا يستقر لرؤيتك أحد في هذه النشأة .
قال في"الإنتصاف": إنما سبح موسى عليه السلام لما تبين له من أن العمل قد سبق بعدم وقوع الرؤية في الدنيا ، والله تعالى مقدس عن وقوع خلاف معلومه ، وعن الخلف في خبره الحق وقوله الصدق ، فلما تبين أن مطلوبه كان خلاف المعلوم ، سبح الله ، وقدس علمه وخبره عن الخلف .
وأما التوبة في حق الأنبياء فلا تستلزم كونها عن ذنب ، لأن منصبهم الجليل ينبغي أن يكون منزهاً مبرأًَ من كل ما ينحط به ، ولا شك أن التوقف في سؤال الرؤية على الإذن كان أكمل . وقد ورد: سيئات المقربين ، حسنات الأبرار .
تنبيه:
قالا متكلمون: دلت الآية على جواز رؤيته تعالى من وجهين:
الأول: أن سؤال موسى عليه السلام الرؤية يدل على إمكانها ، لأن العاقل ، وفضلاً عن النبي صلى الله عليه وسلم ، لا يطلب المحال ، ولا مجال للقول بجهل موسى عليه السلام بالإستحالة ، فإن الجاهل بما لا يجوز على الله ، لا يصلح للنبوة ، إذ الغرض من النبوة هداية الخلق إلى العقائد الحقة ، والأعمال الصالحة ، ولا ريب في نبوة موسى عيه السلام ، وأنه من أولي العزم .
الثاني: أنه تعالى علق الرؤية على استقرار الجبل ، وهو أمر ممكن في نفسه
والمعلق على الممكن ممكن ، لأن معنى التعليق الإخبار بوقوع المعلق عند وقوع المعلق به ، والمحال لا يثبت على شيء من التقادير الممكنة .
وأما زعم المعتزلة أن الرؤية مجاز عن العلم الضروري ، فمعنى قوله: {أرِنِي} أي: اجعلني عالماً بك علماً ضرورياً خلاف ظاهر . فإن النظر الموصول بإلى نص في الرؤية البصرية فلا يترك بالإحتمال ، مع أن طلب العلم الضروري لمن يخاطبه ويناجيه غير معقول .