وقوله: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ} معطوف على {أَنْذِرِ النَّاسَ} والمعنى: أكان للناس عجبًا إيحاؤنا إلى رجل منهم، بأن أنذر الناس كافة، وأعلمهم بالتوحيد والبعث وسائر مقاصد الدين، مع التخويف بعاقبة ما هم عليه، من كفر وضلال، وبشر الذين آمنوا منهم بما أوحيناه إليك، بأن لهم قدم صدق؛ أي: أعمالًا صالحةً استوجبوا بها الثواب منه تعالى، ومنزلة رفيعة نالوها بصدق القول وحسن النية.
وفي"الخازن": واختلفت عبارة المفسرين وأهل اللغة في معنى {قَدَمَ صِدْقٍ} فقال ابن عباس: أجرًا حسنًا بما قدموا من أعمالهم. وقال الضحاك: ثواب صدق. وقال مجاهد: الأعمال الصالحة، صلاتهم وصومهم وصدقتهم وتسبيحهم. وقال الحسن: عمل صالح أسلفوه يقدمون عليه. وفي رواية أخرى عن ابن عباس، أنه قال: سبقت لهم السعادة في الذكر الأول، يعني: في اللوح المحفوظ.
وقال زيد بن أسلم: هو شفاعة محمَّد، - صلى الله عليه وسلم - ، وهو قول قتادة. وقيل: لهم منزلة رفيعة عند ربهم، وأضيف القدم إلى الصدق وهو نعته كقولهم: مسجد الجامع، وصلاة الأولى، وحب الحصيد. والفائدة في هذه الإضافة: التنبيه على زيادة الفضل ومدح القدم؛ لأن كل شيء أضيف إلى الصدق فهو ممدوح، ومثله في مقعد صدق ومدخل صدق.
وقال أبو عبيدة: كل سابق في خير أو شر، فهو عند العرب قدم، يقال: لفلان قدم في الإِسلام وقدم في الخير، ولفلان عندي قدم صدق وقدم سوء. وقال الليث وأبو الهيثم: القدم: السابقة، والمعنى: أنه قد سبق لهم عند الله خير، والسبب في إطلاق لفظ القدم على هذه المعاني أن السعي والسبق لا يحصل إلا بالقدم، فسمى المسبب باسم السبب، كما سميت النعمة يدًا؛ لأنها تعطى باليد اهـ.