فهرس الكتاب
وقد أخبرنا الحق عن كيفية الخلق ، فبيَّن أنه سبحانه خلق الإنسان من التراب والماء فصار طيناً ، ثم استوى الطين ، فصوَّره الحق صورة الإنسان ونفخ فيه الروح ، وآخر مراحله في الإيجاد هي الروح ؛ لذلك فخروج الروح هو أول مرحلة في الموت .
والله سبحانه وتعالى في هذه الآية جاء بوضع الإنسان على الجنب وقائماً وقاعداً ، ولم يأت بالمشي ؛ لأن الماشي عنده قدرة فلا ضرّ في ذاته ، إن أصابه ضرّ فمن غيره ، والضرّ مقابل النفع ، والنافع هو مَنْ يُبقِي الشيء على صلاحه الممتع المريح ، في الذات أو في الخارج .
فساعة تكون ذاتك مستقيمة وملكاتها وأعضاؤها كلها سليمة ؛ فليس عندك ضرّ ، لكن إذا حدث خلل في أي عضو من الأعضاء ؛ فالمتاعب تبدأ ، ولذلك يقال عن السلامة العامة: هي ألا تشعر بأن لك أعضاء ؛ لأنك حين تشعر أن لك عَيْناً - مثلاً - فاعرف أنها تؤلمك ، وإذا شعرت بأذنك فاعرف أنها تؤلمك . وأنت تطحن الطعام بضروسك وتأكل ولا تدري بها . ويوم أن تدري بها فهذا المعنى أن ألماً قد بدأ .
وهكذا لا يشعر الإنسان بفقد السلامة إلا إذا عرف وانتبه إلى أن له عضواً من أعضائه ، فيقول:"آه يا عيني"، و"آه يا أذني".
ونقول: إن وجع العين مؤلم ألماً مخصوصاً ، وكذلك نقول: على أي عضو من الأعضاء ، أما من لا يشكو بأعضائه فهو لا يشعر بها ؛ لأنها تؤدي أعمالها على الوجه المناسب . والسلامة فيمن حولك تتمثل في أن يحققوا لك المتعة والصفاء بدون كدر . وبذلك تظهر منفعتهم لك .
وكل إنسان له كبرياء ذاتي ، يبيّنها قول الحق سبحانه وتعالى: {كَلاَّ إِنَّ الإنسان ليطغى * أَن رَّآهُ استغنى} [العلق: 6 - 7] .