فهرس الكتاب
ونسيان الإنسان أمر وارد في تكوينه الفطري الأول ؛ لأن الإنسان حين يعيش في محيط ما . فهو يحب النفع من خارجه ، وإذا امتنع عنه هذا النفع الخارجي ، فهو يأخذ النفع من ذاته ؛ من تحرُّك أبعاضه وخدمتها لبعضها البعض . ثم لا يجد له مفزعاً إلا أن يؤمن بمن خلقه أولاً . وانظر إلى التعبير القرآني: {وَإِذَا مَسَّكُمُ الضر فِي البحر ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ . .} [الإسراء: 67] .
إذن: فمن يَعْبُد غيرَ الله - سبحانه وتعالى - يضل عنه معبوده ، ولا يعرف كيف ينقذ من يعبده ؛ لذلك يعود المشرك إلى الله ، ولا يجد سواه سبحانه ، فهو الذي ينقذ الإنسان لحظة الخطر ؛ لأنه الرب الخالق هو أرحم بصنعته ، وهذه الرحمة تنقذ الإنسان حتى لو كان كافراً ، وهذا كلام منطقي ؛ لأننا شهدنا بوحدانية الله تعالى في عالم الذر ؛ حينما أخذ الله سبحانه علينا العهد الأول ، وقال لنا: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ...} [الأعراف: 172] .
قلنا: {بلى ...} [الأعراف: 172] .
وهذا إيمان الفطرة قبل أن توجد الغفلة أو التقليد ؛ لذلك حين تتفرق الآلهة الباطلة من حول الكافر فهو يرجع إلى نفسه ويدعو الله ، بل ويوسِّط من يسأله أن يدعو له الله سبحانه .
وقد يدعو الإنسان من يواسيه لحظة المرض فلا يجد ولداً من أبنائه ، أو قريباً من أقربائه ، ولكنه فور أن يدعو الله تعالى ؛ تلمسه رحمته سبحانه ، وقد تجد إنساناً حين يستجيب الحق سبحانه لدعائه قد تركبه حماقة الغرور من جديد ، ويقول ما جاء به الحق على لسان قارون: {إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ على عِلْمٍ عندي ...} [القصص: 78] .
ويقول: كنت محتاطاً وقد رتبت أموري ، ثم يأخذه الحق سبحانه وتعالى أخْذَ عزيز مقتدر .