ولو آمنوا ولازموا النبي صلى الله عليه وسلم لعلموها واحدةً بعد واحدة.
وأيضاً لما يأتهم تأويل ما حسبوا عدم التعجيل به دليلاً على الكذب كما قالوا: {إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ايتنا بعذاب أليم} [الأنفال: 32] ظناً أنهم إن استغضبوا الله عَجَّل لهم بالعذاب فظنوا تأخر حصول ذلك دليلاً على أن القرآن ليس حقاً من عنده.
وكذلك كانوا يسألون آيات من الخوارق ، كقولهم: {لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً} [الإسراء: 90] الآية.
ولو أسلموا ولازموا النبي عليه الصلاة والسلام لعلموا أن الله لا يعبأ باقتراح الضُلال.
وعلى الوجهين فحرف {لمّا} موضوع لنفي الفعل في الماضي والدلالة على استمرار النفي إلى وقت التكلم ، وذلك يقتضي أن المنفي بها متوقَّع الوقوع ، ففي النفي بها هنا دلالة على أنه سيجيء بيان ما أجمل من المعاني فيما بعد ، فهي بذلك وعد ، وأنه سيحِل بهم ما توعدهم به ، كقوله: {يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا} [الأعراف: 53] الآية.
فهي بهذا التفسير وعيد.
وجملة: {كذلك كذّب الذين من قبلهم} استئناف.
والخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم أو لمن يتأتى منه السماع.
والإشارة بـ {كذلك} إلى تكذيبهم المذكور ، أي كان تكذيب الذين مِن قبلهم كتكذيبهم ، والمراد بالذين من قبلهم الأممُ المكذبون رسلهم كما دل عليه المشبه به.
ومما يقصد من هذا التشبيه أمور:
أحدها: أن هذه عادة المعاندين الكافرين ليعلم المشركون أنهم مماثلون للأمم التي كذبت الرسل فيعتبروا بذلك.
الثاني: التعريض بالنذارة لهم بحلول العذاب بهم كما حل بأولئك الأمم التي عرف السامعون مصيرها وشاهدوا ديارها.
الثالث: تسلية النبي صلى الله عليه وسلم بأنه ما لقي من قومه إلا مثل ما لقي الرسل السابقون من أقوامهم.