فهرس الكتاب
فالأمم التي تأخذ بأسباب الحياة تحيا والأمم التي تنحرف عنها تضعف أو تضمحل أو تموت بحسب انحرافها. والأمة الإسلامية منصوص على أن حياتها في اتباع رسولها، والرسول يدعوها لما يحييها. لا بمجرد الاعتقاد، ولكن بالعمل الذي تنص عليه العقيدة في شتى مرافق الحياة. وبالحياة وفق المنهج الذي شرعه الله لها، والشريعة التي أنزلها، والقيم التي قررها. وإلا جاءها الأجل وفق سنة الله.
ثم يبادرهم السياق بلمسة وجدانية تنقلهم من موقف السائل المستهزئ المتحدي، إلى موقف المهدَّد الذي قد يفاجئه المحظور في كل لحظة من الليل أو النهار:
{قل: أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتاً أو نهاراً، ماذا يستعجل منه المجرمون؟} ..
فهذا العذاب المغيب الذي لا يُعلم موقعه وموعده؛ والذي قد يحل بياتاً وأنتم نيام، أو نهاراً وأنتم أيقاظ، لا يجديكم في رده الصحو .. ما الذي يستعجل منه المجرمون؟ وهو عذاب لا خير لهم في استعجاله على كل حال.
وبينما هم في مفاجأة السؤال الذي ينقل مشاعرهم إلى تصور الخطر وتوقعه، تفجؤهم الآية التالية بوقوعه فعلاً .. وهو لم يقع بعد .. ولكن التصور القرآني يرسمه واقعاً، ويغمر به المشاعر، ويلمس به الوجدان:
{أثم إذا ما وقع آمنتم به؟ آلآن وقد كنتم به تستعجلون؟!} .
فكأنما قد وقع. وكأنما قد آمنوا به، وكأنما يخاطبون بهذا التبكيت في مشهد حاضر يشهدونه الآن!
وتتمة المشهد الحاضر:
{ثم قيل للذين ظلموا: ذوقوا عذاب الخلد. هل تجزون إلا بما كنتم تكسبون؟} ..
وهكذا نجدنا مع السياق في ساحة الحساب والعذاب، وقد كنا منذ لحظات وفقرات في الدنيا نشهد خطاب الله لرسوله عن هذا المصير!!
وختام هذه الجولة، هو استنباء القوم للرسول: إن كان هذا الوعيد حقاً. فهم مزلزلون من الداخل تجاهه يريدون أن يستوثقوا وليس بهم من يقين. والجواب بالإيجاب حاسم مؤكد بيمين:
{ويستنبئونك: أحق هو؟ قل: إي وربي إنه لحق وما أنتم بمعجزين} . انتهى انتهى. {الظلال حـ 3 صـ 1778 - 1798}