والمعنى: أخبرونى أيها الجاهلون الحمقى: أي دافع جعلكم تستعجلون نزول العذاب؟ إن وقوع العذاب سواء أكان بالليل أم بالنهار لا يمكن دفعه، ولا يمكن أن يتعجله عاقل، لأنه - كما يقول صاحب الكشاف -: كل مكروه، مر المذاق، موجب للنفار منه، فكيف ساغ لكم أن تستعجلوا نزول شيء فيه هلاككم ومضرتكم؟!! وقال - سبحانه - بَياتاً ولم يقل ليلا، للإشعار بمجيء العذاب في وقت غفلتهم ونومهم بحيث لا يشعرون به، فهم قد يقضون جانبا من الليل في اللهو واللعب، ثم ينامون فيأتيهم العذاب في هذا الوقت الذي هجعوا فيه.
فالآية الكريمة توبيخ لهم على استعجالهم وقوع شيء من شأن العقلاء أنهم يرجون عدم وقوعه.
ولذا قال القرطبي: «قوله: ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ استفهام معناه التهويل
والتعظيم. أي: ما أعظم ما يستعجلون به. كما يقال لمن يطلب أمرا تستوخم عاقبته: ماذا تجنى على نفسك».
وجواب الشرط لقوله: إِنْ أَتاكُمْ ... محذوف والتقدير: إن أتاكم عذابه في أحد هذين الوقتين أفزعكم وأهلككم فلماذا تستعجلون وقوع شيء هذه نتائجه؟
وقد ذكر صاحب الكشاف وجها آخر بعد أن ذكر هذا الوجه فقال: فإن قلت: فهلا قيل ماذا يستعجلون منه؟ قلت: أريدت الدلالة على موجب ترك الاستعجال وهو الإجرام، لأن من شأن المجرم أن يخاف التعذيب على إجرامه، ويهلك فزعا من مجيئه وإن أبطأ - فضلا عن أن يستعجله - ويجوز أن يكون ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ جوابا للشرط كقولك إن أتيتك ماذا تطعمني.
وقوله - سبحانه - أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ ... زيادة في تجهيلهم وتأنيبهم والهمزة داخلة على محذوف، وثُمَّ حرف عطف يدل على الترتيب والتراخي وجيء به هنا للدلالة على زيادة الاستبعاد.
والمعنى: إنكم أيها الجاهلون لستم بصادقين فيما تطلبون، لأنكم قبل وقوع العذاب تتعجلون وقوعه، فإذا ما وقع وشاهدتم أهواله. وذقتم مرارته .. آمنتم بأنه حق، وتحول استهزاؤكم به إلى تصديق وإذعان وتحسر.
وقوله: آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ قصد به زيادة إيلامهم وحسرتهم ولفظ آلْآنَ ظرف زمان يدل على الحال الحاضرة، وهو في محل نصب على أنه ظرف لفعل مقدر.