فإن قيل كيف سبح نفسه عند عروجه دون هبوطه؟
قيل لأن صعود الكثيف أعجب من هبوطه.
وقيل لأنه كان في عروجه مقصده الحق وفي هبوطه كان مقصده الخلق.
وقيل إن كان سبح عند عروجه فقد أقسم بنزوله فقال تعالى (والنجم إذا هوى) .
ورأيت في كتاب الذريعة لابن العماد مسألة أخرى.
فإن قيل كيف أضافهم إليه في هبوطه بقوله (ما ضل صاحبكم) وأضافه إليه بقوله (سبحان الذي أسرى بعبده) ؟
قيل لأنه كان في عروجه مقصده الحق وفي هبوطه مقصده الخلق.
وقيل لا يتوهم متوهم أن بين العبد وبين ربه مناسبة فتهلك أمته كما هلكت أمة عيسى عليه السلام.
(لطيفة)
رأيت في تفسير الرازي في سورة الكهف سبح الله نفسه عند الإسراء وحمد نفسه عند إنزال الكتاب لأن الإسراء أول درجات كماله صلى الله عليه وسلم وإنزال الكتاب آخر درجات كماله فالإسراء به صلى الله عليه وسلم يقتضي حصول الكمال وإنزال الكتاب يقتضي كونه مكملا لغيره من الأرواح البشرية، ولا شك أن هذا الثاني أكمل لأن أعلى مقامات العبد أن يكون عالما معلما لغيره فمقام التسبيح بداية ومقام التحميد نهاية، أو لأن الإسراء منافعه خاصة به صلى الله عليه وسلم ومنافع الكتاب عامة والمنافع العامة أفضله من المنافع الخاصة.
وقوله تعالى (ليلا) مع أن الإسراء لا يكون إلا بالليل للتأكيد وهو منصوب على الظرفية ونكرة لأن الإسراء في بعض الليل
وقيل أسرى به ليلا دون النهار لأن الإيمان بالغيب أقوى من الإيمان بالشهادة.
وقيل لأن الملك لا يدعو لحضرته ليلا إلا من هو خاص عنده
وقيل لأن النبي صلى الله عليه وسلم بدر والبدر لا يكون إلا بالليل.
وقيل أسرى به بالليل لأنه انكسر خاطره بقوله تعالى (فمحونا آية الليل) فجبره الله بعروج محمد صلى الله عليه وسلم فيه.
وقيل لأن الليل خلق من الجنة والنهار خلق من النار، وذلك لما دخل جبريل الجنة وجد فيها لمعة سوداء فأخرجها بإذن الله تعالى فخلق منها الليل ثم دخل النار فوجد فيها لمعة بيضاء فأخرجها بإذن الله تعالى فخلق منها [[1] ].
وقيل لأن النهار افتخر على الليل بثلاث صلوات وبساعة الإجابة يوم الجمعة وتقدم بيانها في بابها وبصيام رمضان فقال النهار أيها الليل لك الغفلة والنوم ولي اليقظة ولك السكون لي الحركة، وكم في الحركة من بركة فيَّ تطلع الشمس الساهرة فلي عليك المفاخرة [[2] ].
قال الليل إن افتخرت بشمسك فشمسي في قلوب أهل الحضرة أهل التهجد والفكرة فأين أنت من شراب المحبين وقت الخلوة والصفا؟
أين أنت من معراج المصطفى؟ أين أنت من قوله تعالى (ومن الليل فتهجد به نافلة لك) ؟ أين أنت لما خلقني ربي قبلك؟ أين أنت من ليلة القدر التي فيها المواهب؟ أين أنت من قوله تعالى كل ليلة"هل من سائل هل من تائب؟"
أين أنت من قوله تعالى (يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا) ؟
أين أنت من قوله تعالى (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا) ؟
وقيل إنما كان المعراج بالليل لأنه أفضل من النهار لتقدمه في الخلق عليه قال ابن عباس وغيره لقوله تعالى (وآية لهم الليل نسلخ منه النهار)
وقال مجاهد وعكرمة خلق النهار أولا لأنه ضياء، والنور مقدم على الظلمة. وتقدم في باب الجمعة عن قتادة وخلافه.
وقيل إنما كان المعراج ليلا ليرد على تشويه قولهم النهار خالق الخير والليل خالق الشر، فجعل الله كرامة الأحباب ليلا ليعلم أن الخير والشر بقدرة الله تعالى.