وقال إبراهيم النخعي في قوله تعالى (وإن من شيء إلا يسبح بحمده) يسبح له كل شيء حتى صرير الباب.
وقال غيره الآية عامة وهي مخصوصة بالناطق كقوله تعالى (تدمر كل شيء) وما دمرت ديار عاد كقوله تعالى في حق بلقيس (وأوتيت من كل شيء) ولم تؤت ملك سليمان.
وقيل الآية على عمومها فالناطق يسبح بالقال والصامت بالحال، وذلك بمجرد يشهد لصانعه بالصنعة.
ورأيت في طبقات السبكي رضي الله عنه أن الأرجح عندنا أن التسبيح بلسان القال لأنه لا استحالة، ويدل عليه كثير من المنقول قال تعالى (إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق) ولا يلزم من تسبيحها بالقال أن نسمعها.
ورأيت في الوجوه المسفرة عن اتساع المغفرة الراجح أنها تسبح [[ضيقة] ] إلا أنه مستور عن الناس فلا ينكشف إلا بخرق العادة.
وقد سمعت الصحابة رضي الله عنهم تسبيح الطعام وغيره بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم
وقوله تعالى (تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليمًا غفورًا) مناسبًا لحال المخاطبين بالآية من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن الغالب على الناس الاشتغال عن تسبيح الله تعالى بخلاف المذكورات فاحتاج المشتغلون إلى الحلم والمغفرة.
الثاني: أنهم لا يفقهون تسبيحًا وقد يكون ذلك لتقصيرهم في التأمل والتفكير في أمرها فاحتاجوا إلى الحلم والمغفرة.
الثالث: أن سماعهم تسبيحًا قد يوقعهم في إمتنانها ويحملهم على التفريط في حقوقها فاحتاجوا إلى الحلم والمغفرة، ولا شك أن من يستحضر في ذهنه تسبيح الموجودات أكرمها وعظمها من هذه الوجوه وإن كان الشارع أمره باحتقارها من وجه آخر ثم
نقل بعد هذا الكلام حكاية أن بعضهم أراد الاستجمار بأحجار فأخذ حجرًا فكشف الله عنه سمعه حتى سمع تسبيحه فتركه تعظيمًا له ثم أخذ حجر آخر فكذلك ثم آخر فكذلك فلما سمع جميع الأشجار والأحجار تسبح توجه إلى الله تعالى في أن يستر عنه تسبيحها ليتمكن من إزالة النجاسة فستر الله تعالى عنه ذلك فاستجمر بها مع علمه أنها تسبح لأن المخبر بتسبيحها هو الآمر بالاستجمار بها على لسان الشارع صلى الله عليه وسلم ففي إخفاء تسبيح الكليات عن الأسماع حكمة بالغة.