فهرس الكتاب

الصفحة 100 من 319

(وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقًا(69) ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيمًا (70)

(المنهج الأدبي في القرآن)

وأعنى بالمنهج الأدبي، هذا المنهج الذي يتجه إلى إثارة وجدان القارئ، إثارة روحية رفيعة، تحدث السرور في النفس فتقبل، أو تحدث فيها الألم فتأبى وترفض، والقرآن غنى بذلك؛ لأنه لا يعتمد على التفكير وحده ليقنع، ولكنه يتكئ عليه وعلى الوجدان ليستميل، فهو في وعده ووعيده، وأوامره ونواهيه، وقصصه، ووصفه، وابتهاله وتسبيحه، بل وفي أحكامه وبراهينه، لا يغفل هذه الناحية من نواحي النفس الإنسانية؛ لأن العمل غالبا يرتبط بها ويقترن، فالقرآن يهاجم ببلاغته جميع القوى البشرية، ليصل إلى هدفه: من تهذيب النفس، وحب العمل الصالح، والإيمان بالله واليوم الآخر.

خذ مثلا قوله تعالى: (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقًا(69) ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيمًا (70) (النساء 69، 70) .

ألا تراه قد أثار فينا شعور الغبطة والابتهاج، حينما نخيل لأنفسنا أننا إن أطعنا الله والرسول، فسنكون رفقاء للنبيين والصديقين والشهداء والصالحين. أو لا ترى أن هذا الشعور بالفرح جدير بأن يدفع المرء إلى الانقياد والطاعة: (وخذ قوله تعالى: (ياأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا(سورة النساء 47) .

تراه قد اتكأ على إثارة الخوف في النفس من أن تشوه الوجوه أو تطمس، أو أن تحل اللعنة بأصحابها، كما حلت بأصحاب السبت، وهذا الخوف، بما يحدثه في النفس من ألم، جدير أن يدفع الناس إلى التفكير العميق للتخلص من أسبابه، والخلوص من مأزقه، ولا يكون ذلك إلا بالإيمان بما أنزل الله. وقل مثل ذلك في قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نارًا كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُودًا غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزًا حَكِيمًا(سورة النساء 56) .

فأي رعب ينبعث في النفس، عند ما تتخيل أصحاب النار، وقد نضجت جلودهم، فبدلوا

بها جلودا غيرها، لا تلبث أن تنضج كرة أخرى، فتتبدل، وهكذا دواليك. وأى خوف شديد يملك المرء من هذا المصير المؤلم.

وخذ مثلا هذا الجزء من قصة إبراهيم، وهو قوله تعالى: (وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنامًا آلِهَةً إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ(74) وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغًا قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79) وَحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أَتُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدانِ وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ (80) وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81) الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82) (الأنعام 74 - 82) .

ألا يملأ نفسك إعجابا هذا الحوار بين إبراهيم وأبيه وقومه، وهذا التأمل من إبراهيم فيما يحيط به، ويسترعي نظره في الكون، أو لا تحس بالقلق الذي استبد بإبراهيم وهو ينشد الله، وبالراحة التي غمرته عند ما اهتدى إليه، أو لا تشعر بالغبطة كما شعر بها إبراهيم، وهو يتجه إلى الذي فطر السماوات والأرض، أو لا يثور في نفسك الرغبة في هذا الأمن، الذي يناله الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم؟!

كل أولئك إثارات وجدانية تحركها في نفسك هذه القصة، فتحب إبراهيم وتعجب به، ويدفعك ذلك إلى الاقتناع بما اقتنع به إبراهيم.

وخذ قوله تعالى: (أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ(6) وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (7) تَبْصِرَةً وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (8) وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكًا فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (9) وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ (10) رِزْقًا لِلْعِبادِ وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذلِكَ الْخُرُوجُ (11) (ق 6 - 11) .

فهو بتلك الآيات يثير في النفس شعور الإجلال لعظمة الخالق، الذي بني السماء بناء محكما، وزينها نهارا وليلا، ومد الأرض، ورفع الجبال في أرجائها، وأنبت فيها بهيج النبات، وشعور الإعجاب بهذا المطر، ينزل من السماء فيحيى الأرض بعد موتها، وينشيء الجنات ويرفع النخل باسقات، ألا ترى أن شعور الإجلال والإعجاب يدفع إلى الإيمان بقدرة الله على البعث والنشور.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت