وقد يكرر القرآن الجملة المؤكدة عدة مرات بألفاظها نفسها، علما منه بما لذلك من أثر في النفس، فتراه مثلا في سورة الشعراء يكرر الجملتين الآتيتين خمس مرات، من غير أن يغير من ألفاظهما حرفا، فقال على لسان بعض رسله: (إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ(107) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (108) (الشعراء 107، 108 و 126 و 144 و 163 و 179) .
وهي وإن كانت مقولة على ألسنة عدة رسل، توحي لتكررها بعبارة واحدة، بصدق هؤلاء الرسل وتثبيت التصديق بهم.
ويؤكد القرآن صفات الله، حتى يستقر الإيمان بها في النفوس، وذلك هو الأساس الذي ينبني عليه الدين، فتسمعه يقول مكررا ومؤكدا في كثير مما يكرره: (إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (البقرة 20) ، (إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (البقرة 110) ، (إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ) (البقرة 115) ، (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (البقرة 153) ، فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ) (البقرة 158) ، إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (البقرة 173) ، إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) (البقرة 190) ، (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (البقرة 195) ، (أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ) (البقرة 196) ، (أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (البقرة 209) ، (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) (البقرة 222) ، (إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (البقرة 181) ، (أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (البقرة 231) ، (أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) (البقرة 267) ، (إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ) (آل عمران 5) ، (إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ) (آل عمران 9) ، (إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ(الرعد 31) ، (فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ) (آل عمران 199) ، (إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ) (آل عمران 37) ، (إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ) (العنكبوت 6) ، (إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ) (آل عمران 119) ، (إِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) (الأنفال 47) ، (إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ) (آل عمران 9) .
فهذا التأكيد يقرر معاني هذه الصفات في النفس، وإذا تكررت هذه المعاني في النفس انبثق منها العمل الصالح، المبنى على أساس من الإيمان المكين. وفي أحيان كثيرة يستغني القرآن عن التوكيد بتكريرها في مواضع شتى، وهذا التكرير للصفات في المناسبات المختلفة مصدر توطيدها في النفس.
ويؤكد القرآن وعده ووعيده، فيكرر مؤكدا قوله: (إن الله يحب المتقين) ، و (إن الله مع المتقين، وفي مواضع شتى، وقوله:(إن الله لا يحب الكافرين) ، و (إن الله لا يهدي القوم الكافرين) ، وحينا يكتفي بالتكرير - كما قلنا - عن توكيد الجملة.
ويؤكد كل خبر هو مجال للشك أو الإنكار، وكلما توغل الخبر في ميدان الشك زادت ألوان المؤكدات.