وللقرآن بعض لفتات في التذكير والتأنيث، يعتمد فيها على ما تثيره الكلمة في النفس من معنى، فيعيد الضمير على المعنى الذي أثارته الكلمة، ورأيت من ذلك ثلاثة مواضع: أولها قوله تعالى: (بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا(11) إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (12) (الفرقان 11، 12) ، فلما كانت كلمة السعير تدل على النار المستعرة وتوحي بها، أعاد الضمير عليها مؤنثا.
وثانيها وصفه البلدة بالميت في قوله سبحانه: ( ... وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُورًا(48) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنا أَنْعامًا وَأَناسِيَّ كَثِيرًا (49) (الفرقان 48، 49) .
وقوله تعالى: (وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذلِكَ تُخْرَجُونَ) (الزخرف 11) ، وسر ذلك أن الذي أحياه المطر؛ إنما هو المكان الذي تقام عليه البلدة، فهو في الحقيقة الذي جرى المطر في عروقه. فحيى، فلما كان المراد بالبلدة المكان صح وصفها بالمذكر.