فهي ليست خشبا قائمة في أشجارها لما قد يكون لها من جمال في ذلك الوضع، وليست موضوعة في جدار؛ لأنها حينئذ تؤدي عملا، وتشعر بمدى فائدتها، وليست متخذا منها أبواب ونوافذ، لما فيها من الحسن والزخرف والجمال، ولكنها خشب مسندة قد خلت من الجمال، وتوحي بالغفلة والاستسلام والبلاهة.
(تنبيه)
لا أريد أن أمضى في بيان ما تكلفوه وجروا وراءه من تلمس الأسباب لعد الآيات من باب المجاز اللغوى، وكل ما أريد قوله هنا هو أن أكثر هذه الكلمات أصبحت توحي بالفكرة من غير أن يثار في النفس المعنى المجازى.
خذ مثلا قوله تعالى: (وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ) (المنافقون 4) .
فإنهم قالوا إن فيه إطلاق الكل على البعض، والمراد تعجبك وجوههم؛ لأن الأجسام لا ترى كلها، وإنما يرى الوجه فحسب، ولا أرى تأويلا أبعد من هذا التأويل عن روح الآية، فالجسم وإن كان لا يرى كله، من المستطاع أن يدرك الإنسان بنظره ما عليه الجسم من جمال يبعث على الإعجاب، ولا تريد الآية: (تعجبك وجوههم، ولكنها تريد يعجبك ما عليه أجسامهم من ضخامة، وما يبدو فيها من مظاهر النماء والقوة، وما عليه وجوههم من جمال ونضرة.