وقد يشتد تمكن الفاصلة في مكانها، حتى لتوحي الآيات بها، قبل نطقها، كما روى عن زيد بن ثابت أنه قال: (أملى على رسول الله صلّى الله عليه وسلم هذه الآية: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ(12) ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ (13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظامًا فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْمًا) (المؤمنون 13، 14) .
وهنا قال معاذ بن جبل: (فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ، فضحك رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فقال له معاذ: (مم ضحكت يا رسول الله؟ قال: (بها ختمت - وحتى ليأبى قبولها، والاطمئنان إليها، من له ذوق سليم، إذا غيرت وأبدل بها سواها، كما حكى أن أعرابيّا سمع قارئا يقرأ: «فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات فاعلموا أن الله غفور رحيم» ، ولم يكن يقرأ القرآن، فقال: (إن كان هذا كلام الله فلا، الحكيم لا يذكر الغفران عند الزلل؛ لأنه إغراء عليه، والآية إنما ختمت بقوله تعالى:(فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)
، وسواء أصح ذلك أم لم يصح، فإنا نشعر هنا بما بين الفاصلة والآية، من ارتباط لا ينفصم.