وقَلّ في القرآن أن يأتي التقديم للاحتفاظ بالموسيقى في الآية القرآنية، ولزيادة التناسق اللفظى فحسب، ومن ذلك قوله تعالى: (فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى(67) قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى (68) (طه 67، 68) .
فالتقديم والتأخير لهذه الصياغة التي يعني بها القرآن، وهي إحدى وسائل تأثيره في النفس، وأصل الجملة «فأوجس موسى في نفسه خيفة» وإذا أنت قرنت هذا التعبير بالآية السابقة واللاحقة، وجدت خروجا على النسق، ونفرة لا تلتئم. وللمحافظة على هذه الموسيقى كذلك ورد قوله تعالى: (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ(9) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (10) (الضحى 9، 10) .
وعد ابن الأثير منها قوله تعالى: (وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ(37) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (38) وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (39) (يس 37 - 39) .
قال: فقوله: (وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ) ليس تقديم المفعول به على الفعل من باب الاختصاص، وإنما هو من باب مراعاة نظم الكلام، فإنه قال: (اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ، ثم قال:(وَالشَّمْسُ تَجْرِي) فاقتضى حسن النظم أن يقول: (وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ) ليكون الجميع على نسق واحد في النظم أي أن تبدأ الجمل كلها بالأسماء المتناسبة.