فهرس الكتاب

الصفحة 32 من 319

هؤلاء المنافقون إنما يخدعون بعملهم هذا الذين آمنوا، ولكن القرآن جعل الخداع لله، سخرية منهم، واستهزاء بعقولهم، واستخدم الفعل المضارع هنا، يصور به حالهم، ويحضر هذه الصورة أمام أعين السامعين، واستخدم أداة القصر وهي (ما) و (إلا) ، ليردّ عليهم ردّا حاسما، يبين أن خداعهم لن يضرّ أحدا غيرهم، ولكن يصيبهم وحدهم أذاه، وأوقع الخداع على أنفسهم ليكون ذلك مثار العجب أن يفعل ذلك من لديه مسكة من عقل، وفي وَما يَشْعُرُونَ تصوير صادق لهؤلاء المنافقين، الذين لا يدركون مغبة خداعهم، واستخدام كلمة مَرَضٌ، لما أصابهم من تغليب الهوى على العقل، يوحي إلينا بأن عقولهم، وقد تغلب عليها سلطان الهوى، صارت غير مستطيعة أن تفكر تفكيرا سليما، وأن تقوم بوظيفتها التي خلقت لها، كالجسم يصاب بالمرض فلا يستطيع أداء وظيفته، وفي الدعاء عليهم بزيادة المرض، إيذان بغضب الله وسخطه عليهم، واستخدام فِي في هذه الجملة، يؤذن بتمكن المرض من قلوبهم، فكأنما انطوت قلوبهم عليه، وفي كلمة أَلِيمٌ - والعذاب لا يكون إلا مؤلما، إبراز لأهمّ خصائص العذاب، واختيار كانَ والمجيء بخبرها فعلا مضارعا، يؤذن باعتيادهم الكذب ولجاجتهم فيه، وجاء بالواو في قوله: (وَإِذا قِيلَ لَهُمْ) ، إشارة إلى مأثمة جديدة من آثامهم، وأتى بالفعل: (قِيلَ) مبنيّا للمجهول، مؤذنا بأن من الواجب عليهم أن ينظروا إلى القول من حيث هو، بقطع النظر عن قائله، وألا يجعلوا للقائل دخلا في تقديرهم ووزنهم، واختار كلمة الْفَسادَ ليصور بها ما يقوم به هؤلاء المنافقون، من تشكيك المؤمنين وتخذيلهم عن نصرة الرسول، وبثّ الفتن في الأرض، ونسب القول إليهم في قالُوا؛ ليبين مدى تبجحهم، وأنهم لا يبالون أن يقلبوا الحقائق، ويطمسوا معالمها، أما ردهم، فقد استخدموا له أداة من أدوات القصر، يريدون بذلك نفي الإفساد عنهم نفيا باتا، وأن عملهم لا يعدو الخير والصلاح وبالغوا في ذلك حتى أوهموا أن نفوسهم قد قصرت على الإصلاح قصرا، فهي لا يمكن أن تلم بفساد، واختاروا من أدوات القصر إِنَّما التي تدل على أن الأمر من الوضوح، بحيث لا يحتاج إلى دليل ولا برهان، مبالغة منهم في التمويه والخداع، واستفتح الرد عليهم بـ ألا؛ ليسترعي الأذهان إليه، حتى تتنبه إلى الرد ولا يفوتها منه شئ، وبدأ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت