والعلم بصحة نقل القرآن كالعلم بالبلدان والحوادث الكبار والوقائع العظام، والكتب المشهورة، وأشعار العرب المسطورة، فإن الغاية اشتدت والدواعي توفرت على نقله وحراسته وبلغت إلى حد لم تبلغه فيما ذكرناه؛ لأن القرآن مفخر النبوة ومأخذ العلوم الشرعية والأحكام الدينية، وعلماء المسلمين قد بلغوا في حفظه وحمايته الغاية حتى عرفوا كل شيء اختلف فيه من إعرابه وقراءته وحروفه وآياته فكيف يجوز أن يكون مغيرا أو منقوصا مع العناية الصادقة والضبط الشديد [6] .
والعلم بتفصيل القرآن وأبعاضه في صحة نقله كالعلم بجملته وجرى ذلك مجرى ما علم ضرورة من الكتب المصنفة ككتاب سيبويه والمزني فإن أهل العناية بهذا الشأن يعلمون من تفصيلها ما يعلمونه من جملتها حتى لو أن مدخلًا أدخل في كتاب سيبويه بابا من النحو ليس من الكتاب لعرف وميزانه ملحوق وأنه ليس من أصل الكتاب وكذا القول في كتاب المزني ومعلوم أن العناية بنقل القرآن وضبطه أصدق من العناية بضبط كتاب سيبويه ودواوين الشعراء [7] .
وانظر اليوم في هذا العالم شرقه وغربه لترى العدد الهائل الذي يحفظ القرآن عن ظهر قلب، بحيث لو شاء ملحد أو يهودي أو صليبي تغيير حرف منه فإنّ صبيًا صغيرًا، أو ربة بيت، أو عجوزًا لا يبصر طريقه - يستطيعون الردّ عليه وبيان خطئه، وافترائه، ناهيك عن العلماء الذين حفظوه وفقهوا معانيه، وتشبعوا بعلومه [8] .
وإذا رأينا في عصرنا الكثير من أطفال المسلمين يحفظون القرآن عن ظهر قلب والكثير من المسلمين كبارًا وصغارًا رجالًا ونساءًا يحفظون القرآن فلاشك أن المسلمين الأوائل كانوا أكثر حفظًا للقرآن؛ لأنهم أقوى حفظًا وأكثر فهمًا للكلام العربي فضلًا عن تعلمهم من النبي- صلى الله عليه وسلم -.