وعن هؤلاء أخذ الألوف المؤلَّفة من التابعين، وهكذا تلقاه العدد الكثير الذين يثبت بهم التواتر عن العدد الكثير حتى وصل إلينا متواترًا، وسيستمر كذلك حتى يرث اللهُ الأرضَ ومن عليها، فالمُعَوَّلُ عليه في تواتر القرآن هو الحفظ والتلقي الشفاهي لا الأخذ من الصحف.
أما الكتابة فقد كانت من دواعي الثبوت والحفظ ليجتمع للقرآن الوجودان: الوجود في الصدور، والوجود في الصحائف والسطور، كما كانت معتمد الجامعين للقرآن في الصحف والمصاحف في عهدي أبي بكر وعثمان - رضي الله عنهما- فقد كانوا حريصين أنْ يكتبوه من عين ما كُتِبَ بين يدي النَّبِي - صلى الله عليه وسلم -.
ولو أنَّ السُنَّة دُوِّنَتْ في العهد النبوي، ولكن لم يحفظها من يقوم بهم التواتر لما جاءت كلها متواترة - كما زعم-، فالعبرة في التواتر وعدمه إنما هو رواية الكثيرين أو عدم روايتهم، ومع أنَّ السُنَّة لم تُدَوَّنْ في العصر النبوي فقد جاء بعضها متواترًا، وإنْ كان قليلًا، ولو أنَّ المُعَوَّلُ عليه في التواتر الكتابة لكانت الكتب التي دُوِّنَتْ وأحيطت بالعناية والدقة كلها متواترة وأنى هي؟ [20]
وبعض الناس يتوهم من قراءته القاصرة لبعض كتب العلماء أن من عرفوا بحفظ القرآن من الصحابة قليلون، وهذا لا يصح؛ لأن معرفتنا عدد معين من الصحابة قد حفظ القرآن لا يمنع أن يكون غيرهم قد حفظ القرآن فليس معنى عدم العلم العدم.
والمعروفون بحفظ القرآن من الصحابة هم المشهورون بحفظ القرآن وعدم الشهرة بحفظ القرآن لا تستلزم عدم الحفظ، وفي عصرنا آلاف مؤلفة يحفظون القرآن لكن المشهور بالحفظ منهم قليل.