فهرس الكتاب

الصفحة 13 من 59

وهذا الدين الذي ندعو إليه قد ظهر أمره وشاع وذاع وملأ الأسماع من مدة طويلة واكثر الناس بدّعونا وخرّجونا وعادونا عنده وقاتلونا واستحلوا ماءنا وأموالنا ولم يكن لنا ذنب سوي تجريد التوحيد والنهي عن دعوة غير الله والاستغاثة بغيره، وما احدث من البدع والمنكرات حتى غلبوا وقهروا فعند ذلك أذعنوا واقروا بعد الإنكار، أما من مات وهو يفعل الشرك جهلا [1] لا عنادا فهذا نكل أمره إلى الله تعالى ولا ينبغي الدعاء له والترحم عليه والاستغفار له [2] وذلك لان كثيرا من العلماء يقولون من بلغه القرآن فقد قامت عليه الحجة كما قال تعالى (لا نذركم به ومن بلغ) فإذا بلغه القرآن وأعرض عنه ولم يبحث عن أوامره ونواهيه فقد استوجب العقاب، قال تعالى (ومن اعرض عن ذكري فان له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى) وقال تعالى (وقد آتيناك من لدنا ذكرى من أعرض عنه فانه يحمل يوم القيامة وزرا خالدين فيه) .

قال ابن سحمان في كشف الأوهام والالتباس: قال الشيخ عبد الله ابن الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في رسالته التي كتبها بعد دخول مكة المشرفة في جواب من قال يلزم من تقريركم وقطعكم في أن من قال يا رسول الله أسألك الشفاعة أنه مشرك مهدر الدم أن يقال بكفر غالب الأمة لاسيما المتأخرين لتصريح علمائهم المعتبرين أن ذلك مندوب وشنوا الغارة على من خالف في ذلك فقال رحمه الله:

لا يلزم ذلك لأن لازم المذهب ليس بمذهب كما هو مقرر ومثل ذلك لا يلزم أن نكون مجسمة وإن قلنا بجهة العلو كما ورد الحديث بذلك، ونحن نقول فيمن مات (تلك أمة قد خلت) ولا نكفر إلا من بلغته دعوتنا للحق ووضحت له المحجة وقامت عليه الحجة وأصر مستكبرا معاندا كغالب من نقاتلهم اليوم يصرون على ذلك الإشراك ويمتنعون من فعل الواجبات ويتظاهرون بأفعال الكبائر المحرمات.

وغير الغالب إنما نقاتله لمناصرته لمن هذه حاله ورضاه به ولتكثير سواد من ذكر والتأليب معه، فله حينئذ حكمه في حل قتاله ونعتذر عمن مضى بأنهم مخطئون معذورون لعدم عصمتهم من الخطأ والإجماع في ذلك قطعي.

قال ابن سحمان إلى أن قال ـ عبدالله بن محمد ـ فإن قلت هذا فيمن ذهل فلما نبه انتبه فما القول فيمن حرر الأدلة واطلع على كلام الأئمة القدوة واستمر مصرا على ذلك حتى مات؟

قلت ـ أي عبدالله بن محمد ـ ولا مانع أن نعتذر لمن ذكر ولا نقول إنه كافر أولا لما تقدم أنه مخطئ وإن استمر على خطئه لعدم من يناضل عن هذه المسألة في وقته بلسانه وسيفه وسنانه فلم تقم عليه الحجة ولا وضحت له المحجة بل الغالب على زمن المؤلفين المذكورين التواطؤ على هجر كلام أئمة السنة في ذلك فمن اطلع عليه أعرض عنه قبل أن يتمكن في قلبه ولم يزل أكابرهم تنهى أصاغرهم عن مطلق النظر في ذلك وصولة الملوك قاهرة لمن وقر في قلبه شيء من ذلك إلا من شاء الله منهم.

هذا وقد رأى معاوية وأصحابه رضي الله عنهم منابذة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه بل وقتاله ومناجزته الحرب وهم في ذلك مخطئون بالإجماع واستمروا في ذلك الخطأ حتى ماتوا ولم يشتهر عن أحد من السلف تكفير أحد منهم إجماعا بل ولا تفسيقه بل أثبتوا لهم أجر الاجتهاد وإن كانوا مخطئين كما أن ذلك مشهور عند أهل السنة.

ونحن كذلك لا نقول بكفر من صحت ديانته وشهر صلاحه وعلم ورعه وزهده وحسنت سيرته وبلغ من نصحه الأمة ببذل نفسه لتدريس العلوم النافعة والتأليف فيها وإن كان مخطئا في هذه المسألة أو غيرها كابن حجر الهيتمي فإنا نعلم كلامه في الدار المنظم ولا ننكر سعة علمه ولهذا نعتني بكتبه مثل شرح الأربعين والزواجر وغيرهما ونأخذ بنقله إذا نقل لأنه من جملة علماء المسلمين انتهى

وجواب حسين وعبد الله ابنا محمد بن عبد الوهاب كما في مجموعة الرسائل 1/ 47 ... لما سئل عن صاحب البردة وغيره مما يوجد الشرك في كلامه وماتوا؟ فقالا: من اعتقد هذا على الظاهر فهو مشرك كافر، وأما القائل فيرد أمره إلى الله ولا يحكم [3] بكفره اهـ بتصرف وتقديم وتأخير

(1) ـ هذا المقطع في من أشرك جاهلا أنه ليس بمسلم ولكن لا يكفر حتى تقوم عليه الحجة كما قال سابقا.

(2) ـ أي الدعاء والترحم والاستغفار لأنه ليس بمسلم فقد قامت فيه حقيقة الشرك.

(3) ـ لا حظ أن الكلام في الحكم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت