أما داود بن جرجيس العراقي فقد نص أئمة الدعوة على كفره، لأنهم ناقشوه وحاوره فتبين عناده كما ناقشه عبد الرحمن بن حسن في القول الفصل النفيس، وابابطين في الانتصار وقد اجتمع به وجرى بينهم حوار، وناقشه عبد اللطيف في كثير من كتبه منها منهاج التأسيس بل قال عنه ص 229 لا شك في كفره وكفر أمثاله اهـ.
فصل منه
وقال نوح في دعائه (إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا) وقال تعالى (والذي خبث لا يخرج إلا نكدا) .
وعن أبي هريرة مرفوعا (ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه) الحديث متفق عليه وزاد مسلم ويشركانه.
وفي الحديث (أن الرسول صلى الله عليه وسلم سئل عن ذراري المشركين فقال هم منهم) متفق عليه من حديث الصعب.
وقد أجمع العلماء أن المرتد هو المسلم الذي سبق له إسلام ثم ارتد عنه 0
قال الصنعاني في تطهير الاعتقاد: ( .... فان قلت أفيصير هؤلاء الذين يعتقدون في القبور والأولياء والفسقة والخلعاء مشركين كالذين يعتقدون في الأصنام؟ قلت نعم قد حصل منهم ما حصل من أولئك وساووهم في ذلك بل زادوا في الاعتقاد والانقياد والاستعباد فلا فرق بينهم ....
إلى أن قال: فان قلت هم جاهلون أنهم مشركون بما يفعلونه، قلت قد صرح الفقهاء في كتب الفقه في باب المرتد أن من تكلم بكلمة الكفر يكفر وان لم يقصد معناها وهذا دال على أنهم لا يعرفون حقيقة الإسلام ولا ماهية التوحيد، فصاروا حينئذ كفارا كفرا أصليا ...
إلى أن قال فان قلت فإذا كانوا مشركين وجب جهادهم والسلوك فيهم ما سلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في المشركين؟ قلت إلى هذا ذهب طائفة من أئمة العلم فقالوا يجب دعاؤهم إلى التوحيد .... فمن رجع واقر حقن عليه دمه وماله وذرارية، ومن أصر فقد أباح الله منه ما أباح الرسول صلى الله عليه وسلم من المشركين.
وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن في مصباح الظلام: ممن يفعل الشرك جاهلا ثم قامت عليه الحجة قال: والمعروف المتفق عليه عند أهل العلم أن من فعل ذلك ـ أي الشرك الأكبر ـ ممن يأتي بالشهادتين يحكم عليه بعد بلوغ الحجة بالكفر والردة ولم يجعلوه كافرا أصليا، وما رأيت ذلك لأحد سوى محمد بن إسماعيل في رسالته المسمى بتطهير الاعتقاد، وعلل هذا القول بأنهم لم يعرفوا ما دلت عليه كلمة الإخلاص فلم يدخلوا في الإسلام مع عدم العلم بمدلولها، وشيخنا لا يوافقه على ذلك اهـ.
وجاء عن أئمة الدعوة اعتبار من كان على الشرك قبل دعوتهم ومات عليه أن حكمه حكم الكافر الأصلي في الأموال والمواريث وعدم الدعاء وغيره.
وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب في آخر كشف الشبهات: لا خلاف ان التوحيد لا بد ان يكون بالقلب واللسان والعمل، فإن اختل شئ من هذا لم يكن الرجل مسلما، فان من عرف التوحيد ولم يعمل به فهو كافر مرتد ... فان عمل بالتوحيد عملا ظاهرا وهو لا يفهمه او لا يعتقد بقلبه فهو منافق وهو شر من الكافر الخالص اهـ
والصحيح عندي التفصيل:
أ ـ فمن مات على الشرك في زمن الفترات وقبل ظهور دعوة التوحيد ولم تبلغه الحجة، فهذا يعامل معاملة الكافر الأصلي. كما أفتى بذلك أئمة الدعوة فيمن مات قبل دعوتهم لما سئلوا عنهم.
ب ـ الجاهل الذي فعل الشرك وقد بلغته الحجة لكونه عائشا بين المسلمين فهذا يعطى اسم وحكم المرتد كما قال عبد اللطيف.
ج ــ من كان صاحب ملة شركية وثنية نشأ عليها منذ الصغر كالرافضي أو النصيري أو الدرزي أو الجهمي المحض، فهذا والله أعلم له حكم الكافر الأصلي لا المرتد. وينزل منزلة من كان على ديانة شركية وهو ينتسب إلى دين يظنه صحيحا كأهل الكتاب لحديث (فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يشركانه) . وهو بعض كلام الصنعاني السابق وبعض كلام من نقل عنهم وهم طائفة من أهل العلم كما قال.
قال ابن حزم في الدرة 441 لما تكلم عن المبتدع أنه لا يكفر قبل الحجة وأما إذا قامت على المبتدع الحجة فانه يكفر ثم قال وأما من كان من غير أهل الإسلام من نصراني أو يهودي أو مجوسي أو سائر الملل أو الباطنية القائلين بإلهية إنسان من الناس أو بنبوة أحد من الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يعذرون بالتأويل أصلا بل هم كفار مشركون على كل حال اهـ (أي قبل الحجة وبعدها، ولا ينفعهم التأويل لا قبل الحجة ولا بعدها فهم كفار مشركون على كل حال) اهـ.