الصفحة 61 من 248

ثم سنتكلم بعد ذلك عن: ثمرات الخلاف في هذه المسألة.

لكن حثَّ القاضي أبو يعلى في كتابه (مسائل الإيمان) -على اسم هذه الدورة- هو الإمام القاضي، قاضٍ حنبلي كبير، توفي سنة أربعمائة وثمانية وخمسين هجريًا، يقول في كتابه؛ هو يناقش مثل ما نناقش نحن، هو كتب الكتاب كمسألة على سؤال، يقول:"الحمد لله وبه نستعين، والصلاة على نبيه محمد، وعلى آله وصحبه وسلم؛ سألتموني أحسن الله توفيقكم، عن مذهب أبي عبد الله أحمد بن حنبل -رحمه الله تعالى- في حقيقة الإيمان ما هو؟ وهل ورد الشرع بنقله؟ وقلبه عما كان عليه في اللغة؟ -يقصد الرد على المرجئة، الذين قالوا: الإيمان هو التصديق في اللغة فقط-. وهل الفاسق الملّي -المنتسب للملّة- يُسمى مؤمنًا؟ وهل يجوز عليه الزيادة والنقصان أم لا؟ -أي: الإيمان يزيد وينقص أم لا؟ -، وهل يتساوى إيمان جميع المكلفين؟".

المرجئة والجهمية يقولون: إيمان المكلفين كلهم سواء، أي: أن إيمانك أنت مثل إيمان أبي بكر الصديق، مثل إيمان الرسول - صلى الله عليه وسلم -، مثل إيمان جبريل، كل الناس سواء؛ لأن التعريف عندهم الإيمان بالمعنى اللغوي فقط، يعني أنا مصدق بأن الله هو الخالق الرازق، الذي أرسل الرسول؛ إذًا خلاص لا يهم. الرسول مؤمن بذلك وجبريل مؤمن بذلك، وكلنا سواء!. وهذا قولٌ باطل، لأنهم يخرجون العمل، كيف يتساوى إيماني معهم؟ هل عملي أنا مثل عمل أبي بكر؟ مثل عمل الرسول - صلى الله عليه وسلم -؟ مثل عمل جبريل؟ كيف هذا؟! لا يدخل في عقل العقلاء؛ وهذه شبهة خطيرة جدًا لهؤلاء.

وهو يقول ذلك، نقل كلام ابن بطة في حقيقة الإيمان، وقال:"الأصل الوضع اللغوي، الذي وضع فيه الإيمان، الإيمان بمعنى تصديق القلب، المتضمن للعلم بالمصدق به، حدّه في الشرع: هو جميع الطاعات الظاهرة والباطنة، فالباطنة أعمال القلب، وهو تصديق القلب، والظاهرة: هو أفعال البدن، الواجبات والمندوبات، وقد نصّ أحمد على هذا في مواضع". ثم نقل كلام الإمام أحمد بعد ذلك.

لكن هؤلاء لا يعترفون بالأعمال الظاهرة، ولا حتى أعمال القلوب، المرجئة أو الجهمية لا يعتبرون أن القلب له عمل؛ يعني يخاف، يحزن، يحب، يوالي، يخشع، لا يعترفون بذلك.

لكن بعض المرجئة حاولوا يعالجوا هذه، وقالوا: نعم، القلب قد يكون له عمل، لكن هذه مسألة أثريَّة؛ يعني أثر من الإيمان، لكن لا يعترف بالعمل؛ اعترفوا بعمل القلوب نتيجة النصوص الشديدة، لكن معظم الجهمية والكرّامية طبعًا لم يعترفوا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت