وبالطبع الأشاعرة يمجدونه كثيرًا في كتبهم ويطعنون في كتابه (الإبانة) لأن فيه رجوعًا ظاهرًا إلى عقيدة أهل السنة والجماعة وإن كان لم يتحرر بالدقة, وبالجملة هو رجع إلى عقيدة أهل السنة والجماعة وهو من آخر ما كتب، لكن ما زال هناك بعض الاختلافات مثل آرائه في تعريف الإيمان؛ فهو عنده جهمية في هذه المسائل ولم يتحرر بالإطلاق, في بعض المسائل حتى من المعتزلة وغيرها، لكن جملة هو في كتابة (الإبانة) أقرب لأهل السنة، لذلك له آراء كثيرة تخالف المتأخرين من علماء الأشاعرة.
وهنا قد يسأل السائل ما الفرق بين العلماء المتأخرين والمتقدمين أو بين الأشعري نفسه وغيره من الأشاعرة؟
وننبه أن من الأشاعرة من قد يكون مطابقًا لأهل السنة في الجملة، لكننا نتكلم عن الشائع والأغلبية عند الأشعرية أو شبه المستقر عندهم، وقد يخالف البعض في مسائل حتى مع علماء مذهبه، لكنه ليس مخالفًا للأشعرية كاعتقاد عام.
قلنا أنه كان معتزليًا حتى سن الأربعين سنة -أي فترة كبيرة-، لذلك كان في كتابه (مقالات الإسلاميين) عندما تكلم عن المعتزلة صار مرجعًا رئيسيًا للمعتزلة، وعندما فارقهم هاجمهم ودحر شبهاتهم وصار خبيرًا بهم؛ لأنه عاش في حجر علم من أعلامهم، وناظر معهم وحضر مناظراتهم إلى سن الأربعين، وبعدها صار إلى مذهب ابن كلّاب وهو أقرب إلى أهل السنة لكن ما زال هناك أشياء فيها بدع وغير ذلك، لكنهم كانوا أقرب له وكانوا يهاجمون المعتزلة، ثم بعد ذلك تعامل مع بعض علماء الحديث، فمال إلى مذهب أهل السنة في آخر حياته، لكن لم يتخلص بالكلية كما قلنا لكم.
وهناك كتب ودراسات تكلمت عنه، فمثلًا ابن تيمية من أفضل من تكلم عن الأشاعرة، وحرر مذهبهم ومذهب الجهمية والقدرية، وجاء في كتابه (درء تعارض العقل والنقل) وهو كتاب كبير ضخم في حوال 19 مجلدًا -حسب الطبعة-، كلام بديع حيث فند شبهات، وتكلم في أشياء صعبة جدًا على طالب العلم المبتدئ لأنه تكلم في المسائل الكلامية والصفات، فليس للمبتدئ أن يبدأ بها، لأن ليس له أدوات ليفهم هذه المسائل، فربما يبدأ أول 20 صفحة ثم لا يستطع أن يكمل فيها، فهو كان يناقشهم بمنطقهم، بمنطق علماء المنطق والفلسفة وهي تحتاج إلى صبر كبير جدا، وأيضا في فتاويه وكتابه (الإيمان) سواء الإيمان الكبير أو الإيمان الأوسط، وفي كتاباته في اجتماع الجيوش الإسلامية ورده على الجهمية، ورده على الأشاعرة في القديم الحديث، وكان هو حامل لواء المتأخرين في الرد على الأشاعرة، وهو الذي استطاع أن يحرر مذهب السلف.