{يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (5) } : هذا هو النداء الثاني في السورة الكريمة وفيه تحذير من الاغترار بفتنة الدنيا وفتنة الغَرور، وهو"كلُّ ما يغرُّ الإنسان من مال وجاه وشهوة وشيطان، وقد فُسِّرَ الغَرورُ بالشيطان؛ إذ هو أخبث الغارين، وهو محرِّكُ كلِّ فتنةٍ، ووراء كل اغترار."
{إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (6) } : تأكيدٌ لعداوته ودعوةٌ لأخذِ الحذرِ والحيطةِ منه ومن مكائده ومصائده، والترهيب من سوء عاقبة من والاه وسلَّم له الزمام فقاده إلى عذاب السعير.
وفي الإرشاد:"تقريرٌ لعداوتِه وتحذيرٌ من طاعتِه بالتَّنبيهِ على أنَّ غرضَه في دعوةِ شيعتِه إلى اتِّباعِ الهَوَى والركونِ إلى ملاذِّ الدُّنيا ليس تحصيلَ مطالبِهم ومنافِعهم الدُّنيويَّةِ كما هو مقصدُ المُتحابِّين في الدُّنيا عند سعي بعضِهم في حاجةِ بعضٍ، بل هو توريطُهم وإلقاؤُهم في العذابِ المُخلَّد من حيثُ لا يحتسبون" [1] .
{الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (7) }
بين تعالى حال الفريقين الفريق المطيع لإبليس والمتحزِّب له والفريق الذي عصمه الله من فتنة إبليس وجنوده، أما فريق الكافرين فلهم عذاب شديدٌ وأما أهل الإيمان والصلاح فلهم مغفرة وأجر كبير.
الاغترار بالباطل ... وداءُ العُجْب
{أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (8) }
هذه الآية تقرير لما سبق من ذكر التفاوت بين الفريقين وبيانٌ لأسباب الصدود.
وإتمام لأسباب الصدود والإعراض وهي الاغترار بالدنيا والشيطان والنفس وقد قيل:
إني ابتليتُ بأربعٍ ما سُلِّطُوا ... إلا لشدةِ شِقوتِي وعنائِي
إبليسُ والدنيا ونفسي والهوى كيفَ الخلاصُ وكلُّهم أعدائِي
وأرى الهوى تدعُو إليه خواطري ... في ظلمةِ الشهواتِ والآراءِ
وفي التعبير عن الكافر بمن زين له سوء عمله فاستحسنه: إشارةٌ إلى غاية ضلاله واعتلال فكره وسفاهة نفسه، حتى بلغ به الحال أن استحبَّ الكفر على الإيمان، وآثر الباطل على الحق
(1) - إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم لأبي السعود 4/ 362