{وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا (42) }
أقسموا بالله إن جاءهم نذير ليؤمنن به ولينصرنه فيتسابقوا إلى الهداية والرشاد فلما جاءهم النذير ما زادهم إلا نفورا، وكان أولى بهم أن يشكروا الله على هذه المنَّة، لكنهم بالغوا في النفور من هذه الدعوة واستكبروا عنها ومكروا بخبث ودهاء لإمامها - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه - رضي الله عنهم - ... .
{اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ} : فماذا ينتظرون بعد ذلك؟ وقد أنكروا النعمة وردُّوا الهدية واحتالوا لإمام الهدى وكادوا له ولمن آمن به، ماذا ينتظرون إلا عاقبة كفرهم وتكذيبهم، وسنةَ الله فيمن سبقهم على طريق الجحود والإعراض {فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ} سنة الله في المكذبين أن يعاقبهم بعذاب عاجلٍ مع ما ينتظرهم من العذاب الآجل وتلك سنة ثابتة لا تتغير ولا تتبدل وحكمٌ فاصلٌ عادلٌ {فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا} .
أما كان الأولى بكفار قريشٍ أن يحتفوا بهذا النبي العربي وأن يناصروه ويعزِّروه، وقد جاءهم بأعظم الكتب وأتمِّ الشرائعِ وأقوم المناهج التي ترقى بهم إلى قيادة الأمم؟
قال تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (2) } الجمعة: 2
قال تعالى: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (155) أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (156) أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ (157) } الأنعام: 155 - 157.
فما حجتهم وقد جعل الله فيهم خير الدعوات وآخرها، وبعث فيهم خير الرسل وخاتمهم؟
لقد كفروا بهذه النعمة المسداة، والرحمة المهداة، شأنهم شأن اليهود كانوا يستفتحون بالنبي الخاتم - صلى الله عليه وسلم - فلما جاءهم وعرفوه كفروا به وجحدوه قال تعالى {وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (89) } البقرة: 89.