ومن رحمة الله أن تحسَّ برحمة الله! فرحمةُ الله تضمُّك وتغمرُك وتفيضُ عليك، ولكن شعورك بوجودها هو الرحمة، ورجاؤك فيها وتطلعك إليها هو الرحمة، وثقتك بها وتوقعها في كل أمر هو الرحمة.
وما بين الناس ورحمة الله إلا أن يطلبوها مباشرةً منه، بلا وساطة وبلا وسيلة إلا التوجه إليه في طاعة وفي رجاء وفي ثقة وفي استسلام ... ويبقى أن أتوجه أنا بالحمد لله على رحمة منه خاصة عرفتها منه في هذه الآية. . لقد واجهتني هذه الآية في هذه اللحظة وأنا في عسرٍ وجهد وضيق ومشقة. واجهتني في لحظة جفاف روحي، وشقاء نفسي، وضيق بضائقة، وعسر من مشقة. . واجهتني في ذات اللحظة. ويسر الله لي أن أطلع منها على حقيقتها، وأن تسكب حقيقتها في روحي؛ كأنما هي رحيق أرشفه وأحس سريانه ودبيبه في كياني، حقيقة أذوقها لا معنى أدركه، فكانت رحمة بذاتها، تقدم نفسها لي تفسيرًا واقعيًا لحقيقة الآية التي تفتحت لي تفتحها هذا، وقد قرأتها من قبل كثيرًا، ومررت بها من قبل كثيرًا، ولكنها اللحظة تسكب رحيقها وتحقق معناها، وتنزل بحقيقتها المجردة، وتقول: هأنذا. . نموذجًا من رحمة الله حين يفتحها، فانظر كيف تكون!
إنه لم يتغير شيء مما حولي، ولكن لقد تغير كلُّ شيء في حسي! إنها نعمةٌ ضخمةٌ أن يتفتح القلب لحقيقة كبرى من حقائق هذا الوجود، كالحقيقة الكبرى التي تتضمنها هذه الآية، نعمة يتذوقها الإنسان ويعيشها؛ ولكنه قلما يقدر على تصويرها، أو نقلها للآخرين عن طريق الكتابة، وقد عشتها وتذوقتها وعرفتها، وتم هذا كله في أشد لحظات الضيق والجفاف التي مرت بي في حياتي، وهاأنذا أجدُ الفرج والفرح والرِّيَّ والاسترواح والانطلاق من كل قيد ومن كل كرب ومن كل ضيق، وأنا في مكاني! إنها رحمة الله يفتح الله بابها ويسكب فيضها في آية من آياته" [1] ."
الصلة بينهما واضحةٌ جلية: حيث بدأت بحمد الله تعالى على نعمه الجليلة وآلائه العظيمة، وأشارت إلى نعمة خلق السموات والأرض وكذلك خلق الملائكة بهذه الهيئة العجيبة والقوة الفائقة التي تمكنهم من أداء وظائفهم، وهذا من فضله تعالى على الناس لأن الملائكة لا تتنزل إلا بالحق والخير، كذلك من بديع صنعه وعظمة سلطانه وجليل إنعامه زيادته في الخلق ما يشاء، وفتح خزائن رحمته، وعزته تعالى وحكمته.
(1) - في ظلال القرآن 5/ 2922 - 2924 باختصار.