والتعمير يكون بطول الأجل ومد الأعوام؛ كما يكون بالبركة في العمر، والتوفيق لصالح الأعمال، وكذلك يكون نقص العمر بقصره؛ أو نزع البركة منه، وإنفاقه في اللهو والعبث وتبديده في الكسل والفراغ.
ورب ساعة تعدل عمرًا بما يحتشد فيها من أفكار ومشاعر، وبما يتم فيها من أعمال وآثار. ورب عام يمر خاويًا فارغًا لا حساب له في ميزان الحياة، ولا وزن له عند الله!
وقد قيل:"رب عمر اتسعت آمادُهُ وقلت أمدادُه ورب عمر قليلة آماده كثيرة أمداده". [1]
{وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (12) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (13) }
تلفت الآيات الكريمة أنظارنا إلى هذه العوالم التي تنطوي على آياتٍ وعجائب لا حصر لها، وتجمع من التنوع والاختلاف ما يدل على قدرة الله تعالى ورحمته بعباده وتفضله عليهم.
"هذا التنوع البيئي: يدلُّ على قدرة الله عز وجل وبديع صنعه، وتقديره عز وجل وتدبيره لهذا الكون، فمع تنوعه وتباينه إلا أن أعيننا لا تقع إلا على انسجامٍ تامٍّ وتناغمٍ وتآلف بين هذه المخلوقات التي تشارك في دورة الحياة، حسب الدور المنوط لكلِّ كائنٍ حي، كما أن هذا التنوع العجيب يكسو هذا الكون روعةً وجمالا، وطرافةً تُثيرُ الدهشةَ، وتدعو إلى النظرِ والتفكُّر في عجائب المخلوقات ونوادرِها، فيزداد المؤمن إيمانا ويقينا" [2] .
فهذا العذب الفرات له مكوناته وخصائصه ومنافعه، وكذلك الملح الأجاج له خصائصه ومنافعه ومكوناته فلا يستويان في التراكيب ولا في مستوى الماء ولا في الكثافة ولا فيما يحوياه من كائناتٍ إلى غير ذلك من تباين بينهما تتجلى من خلاله عظمة الله تعالى وكمال إنعامه على الناس.
{وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا} . .
(1) - إيقاظ الهمم شرح متن الحكم لابن عجيبة ص 256
(2) - منهج القرآن في التوعية البيئية، إعداد أحمد محمد الشرقاوي ص 24 من بحوث المؤتمر الوطني للبيئة - جامعة القصيم 1428 هـ.