قال النسفي:"والعمل الصالح يرفعه الكلم الطيب فالرافع الكلم والمرفوع العمل لأنه لا يقبل عمل إلا من موحد، وقيل: الرافع الله والمرفوع العمل أي العمل الصالح يرفعه الله، وفيه إشارة إلى أن العمل يتوقف على الرفع والكلم الطيب يصعد بنفسه، وقيل: العمل الصالح يرفع العامل ويشرفه أي من أراد العزة فليعمل عملًا صالحًا فإنه هو الذي يرفع العبد" [1]
والكلم الطيب مع العمل الصالح من أسباب نيل العزة.
{وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ} : في مقابل الكلم الطيب والعمل الصالح نجد من يسعى ويحتالُ في تحصيل السيئات من الأعمال والخبيثاتِ من الأقوال، فيجعلها مرادَه ومطيَّتَه، ويجتهد في إخفائها شأن الماكر الذي يدبر الأمر في خفيةٍ ويظهر خلاف ما يضمره، فمكرهم إلى بوارٍ، كالذي يغرس في أرضٍ بورٍ لا تنبت زرعًا كذلك أعمالهم وكيدهم إلى بوارٍ، وسبيلهم إلى المذلة والانكسار.
قال ظلال القرآن:"والذين يمكرون السيئات يمكرونها طلبًا للعزة الكاذبة، والغلبة الموهومة. وقد يبدو في الظاهر أنهم أعلياء، وأنهم أعزاء، وأنهم أقوياء. ولكن القول الطيب هو الذي يصعد إلى الله، والعمل الصالح هو الذي يرفعه إليه. وبهما تكون العزة في معناها الواسع الشامل. فأما المكر السيئ قولًا وعملًا فليس سبيلًا إلى العزة، ولو حقق القوة الطاغية الباغية في بعض الأحيان. إلا أن نهايته إلى البوار وإلى العذاب الشديد" [2] .
{وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (11) }
بينت هذه الآية الكريمة مراحل وأطوار خلق الإنسان من تراب ثم من نطفة ثم تحديد النوع الإنساني: ذكر أم أنثى، والحمل والوضع عند سائر المخلوقات التي تحمل وتضع كالحيوانات والزواحف والأسماك والحشرات والطير، ومدة حياة كل كائنٍ، كل ذلك مسجَّلٌ في اللوح المحفوظ، وهذا أمر يسيرٌ على الله تعالى، وهذا دليلٌ على إحاطة علمه وشمول قدرته وعظمة سلطانه.
(1) - مدارك التنزيل وحقائق التأويل للنسفي 3/ 335
(2) - في ظلال القرآن 5/ 2931