ونعمة الرزق ونعمة العناية والهداية، والإنذار والإعذار، ونعمة القرآن ونعمة الفوز بالجنان، والنجاة من النيران، ونعمة الاستخلاف في الأرض، وحرية الاختيار، ونعمة الآثار المبثوثة والعبر الناطقة، ونعمة الإمهال والحلم، ونعمة إهلاك الظالمين وقطع دابر المجرمين، هذه النعمُ الجليلةُ حين نتأملُها في ضوء هذه السورة الكريمة: تملأ قلوبَنا هيبةً وإجلالا، وتشحَنُ نفوسَنا خشيةً وتعظيما، وأرواحَنا تحفُّزا وتوثُّبا، ورغبةً ورجاءً في فضل ورحمةِ هذا المنعِم العظيم.
يقول صاحب الظلال:"هذه السورة المكّية نسق خاص في موضوعها وفي سياقها. أقرب ما تكون إلى نسق سورة الرعد. فهي تمضي في إيقاعات تتوالى على القلب البشري من بدئها إلى نهايتها، إيقاعات موحية مؤثرة تهزه هزًا، وتوقظه من غفلته ليتأمل عظمة هذا الوجود، وروعة هذا الكون؛ وليتدبر آيات الله المبثوثة في تضاعيفه، المتناثرة في صفحاته؛ وليتذكر آلاء الله، ويشعر برحمته ورعايته؛ وليتصور مصارع الغابرين في الأرض ومشاهدهم يوم القيامة؛ وليخشع ويعنو وهو يواجه بدائع صنع الله، وآثار يده في أطواء الكون، وفي أغوار النفس، وفي حياة البشر، وفي أحداث التاريخ. وهو يرى ويلمس في تلك البدائع وهذه الآثار وحدة الحق ووحدة الناموس، ووحدة اليد الصانعة المبدعة القوية القديرة. . ذلك كله في أسلوب وفي إيقاع لا يتماسك له قلب يحس ويدرك، ويتأثر تأثر الأحياء."
والسورة وحدة متماسكة متوالية الحلقات متتالية الإيقاعات، يصعب تقسيمها إلى فصول متميزة الموضوعات. فهي كلها موضوع واحد. كلها إيقاعات على أوتار القلب البشري، تستمد من ينابيع الكون والنفس والحياة والتاريخ والبعث. فتأخذ على النفس أقطارها وتهتف بالقلب من كل مطلع، إلى الإيمان والخشوع والإذعان." [1] ."
محور السورة يدورُ حول التذكير بنعم الله تعالى وعظمتِه تعالى، وتسميتها بسورة"فاطر"، وسورة"الملائكة": يحملُ دلائل العظمة وآيات القدرة وشواهد الإبداع حيث خلق الله هذا الكون الرحيب بهذا الإبداع العجيب الشاهدُ على كمال قدرته وبديع صنعه وعظيم سلطانه ولطيف
(1) - في ظلال القرآن 5/ 2918