وفي الصحيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - (مَا بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعُونَ، قَالَ أَرْبَعُونَ يَوْمًا؟ قَالَ: أَبَيْتُ قَالَ أَرْبَعُونَ شَهْرًا؟ قَالَ: أَبَيْتُ، قَالَ أَرْبَعُونَ سَنَةً؟ قَالَ: أَبَيْتُ قَالَ: ثُمَّ يُنْزِلُ اللَّهُ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَيَنْبُتُونَ كَمَا يَنْبُتُ الْبَقْلُ لَيْسَ مِنْ الْإِنْسَانِ شَيْءٌ إِلَّا يَبْلَى إِلَّا عَظْمًا وَاحِدًا وَهُوَ عَجْبُ الذَّنَبِ، وَمِنْهُ يُرَكَّبُ الْخَلْقُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) [1] .
{مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ (10) }
بينت هذه الآية الكريمة طريق العزة وأنها لله ومن الله فلا عزَّ إلا به ولا ذلَّ إلا له، فمن اعتز بغيره ذلَّ ومن تذلل له عزَّ، وقد قيل:
وإذا تذللت الرِّقاب تقرُّبًا ... منها إليك فعزُّها في ذلّها
فالآية تنبيه لأصحاب الهمم، من أين تنال العزّة؟ وما السبيل إليها؟ فمن كان يريد العزّة، ويطلبها، فليطلبها من الله عزّ وجلّ بطاعته وموالاته: فللّه العزّة جميعًا، ليس لغيره منها شيء.
وفي الآية ردٌّ على المشركين الذين تعززوا بعبادة الأصنام كما قال سبحانه {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (81) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (82) } [مريم: 81 - 82]
{إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} أي: إلى الله يصعد لا إلى غيره، ومعنى صعوده إليه: قبوله له، وصعود الكتبة من الملائكة بما يكتبونه من الصحف، وخصّ الكلم الطيب بالذكر لبيان الثواب عليه، وهو يتناول كل كلام يتصف بكونه طيبًا من ذكر لله، وأمر بمعروف، ونهي عن منكر، وتلاوة، وغير ذلك، فلا وجه لتخصيصه بكلمة التوحيد، أو بالتحميد، والتمجيد.
إذ يشمل كل ذكر من تكبير وتسبيح وتهليل وقراءة قرآن ودعاء واستغفار ودعوة وإصلاح ووعظ وإرشاد وتذكيرٍ.
{إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} فالعمل الصالح يرفع الكلم الطيب والكلم الطيب يرقى بالعمل الصالح فكلاهما ينهض بالآخر ويُعضده.
(1) - رواه البخاري في صحيحه كتاب التفسير باب: قوله تعالى {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (68) } [الزمر: 68] حديث 4536
ورواه مسلم في صحيحه كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب: ما بين النفختين، حديث 141 - (2955)