{وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ} أي لا يقدر أحد على إرسالها فخزائن الرحمات بيد الذي يقول للشيء كن فيكون، يجود بها على من يشاء من عباده، فدل هذا على سَعَةِ رحمتِهِ وكمالِ قدرتِهِ وتواترِ إنعامه وتسلسلِ إحسانه.
"وعبَّر عن إرسالِها بالفتحَ إيذانًا بأنَّها أنفسُ الخزائنِ التي يتنافسُ فيها المتنافسون وأعزُّها منالًا." [1]
{ ... وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} هو العزيز الغالب فلا يمتنع عليه شيء، والحكيم في تصريفه وتدبيره وتقديره.
قال صاحب الظلال:"وما من نعمة يمسك الله معها رحمته حتى تنقلب هي بذاتها نقمة، وما من محنة تحفُّها رحمة الله حتى تكون هي بذاتها نعمة، ينام الإنسان على الشوك مع رحمة الله فإذا هو مهاد، وينام على الحرير -وقد أمسكت عنه- فإذا هو شوك القتاد. ويعالج أعسر الأمور برحمة الله فإذا هي هوادة ويسر، ويعالج أيسر الأمور وقد تخلت رحمة الله فإذا هي مشقة وعسر."
ويخوض بها المخاوف والأخطار فإذا هي أمن وسلام، ويعبُر بدونها المناهج والمسالك فإذا هي مهلكة وبوار!
ولا ضيق مع رحمة الله، إنما الضيق في إمساكها دون سواه، لا ضيق ولو كان صاحبها في غياهب السجن، أو في جحيم العذاب أو في شعاب الهلاك، ولا وسعة مع إمساكها ولو تقلب الإنسان في أعطاف النعيم، وفي مراتع الرخاء، فمن داخل النفس برحمة الله تتفجَّر ينابيع السعادة والرضا والطمأنينة، ومن داخل النفس مع إمساكها تدب عقارب القلق والتعب والنصب والكد والمعاناة!
هذا الباب وحده يفتح وتغلق جميع الأبواب، وتوصد جميع النوافذ، وتسد جميع المسالك، فلا عليك، فهو الفرج والفسحة واليسر والرخاء، وهذا الباب وحده يغلق وتفتح جميع الأبواب والنوافذ والمسالك فما هو بنافع، وهو الضيق والكرب والشدة والقلق والعناء!
هذا الفيض يفتح، ثم يضيق الرزق، ويضيق السكن، ويضيق العيش، وتخشن الحياة، ويشوك المضجع، فلا عليك، فهو الرخاء والراحة والطمأنينة والسعادة، وهذا الفيض يمسك، ثم يفيض الرزق ويقبل كل شيء، فلا جدوى، وإنما هو الضنك والحرج والشقاوة والبلاء! ...
(1) - إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم لأبي السعود 4/ 360