والدين ما شرعه الله وبلغه الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وما سكت عنه فهو على الأصل المتقرر فيه وهو الحل والإباحة، فمن ادعى حرمة شيء أو نجاسته فعليه الدليل؛ لأنه ناقل عن الأصل، والدليل يطلب من الناقل عن الأصل لا من الثابت عليه، فالأصل أن كل شيء سكت عنه النص فهو على أصل الإباحة حتى يقوم دليل بخلافه، ولذلك قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا} ، وهذا يفيد أن سؤالهم عن هذه الأشياء قد يكون سببًا لتحريمها، فنهوا عن ذلك؛ لأنها عفو.
وفي الحديث المتفق عليه: (( إن أعظم المسلمين في المسلمين جرمًا من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته ) )، وقد روى الدارقطني والطبراني في الكبير والبزار والبيهقي عن أبي الدرداء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (( ما أحل الله في كتابه فهو حلال وما حرم فهو حرام وما سكت عنه فهو عفو فاقبلوا من الله عافيته فإن الله لم يكن لينسى شيئًا ) )، ثم تلا هذه الآية: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} . وصححه الحاكم ووافقه الذهبي وحسنه الحافظ أبو بكر السمعاني والنووي والحافظ الهيثمي والسيوطي والألباني، وقال البزار: إسناده صالح.
وقال تعالى: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ} ، فكل ما لم يبين الله ولا رسوله - صلى الله عليه وسلم - تحريمه من المطاعم والمشارب والملابس والعقود والشروط فلا يجوز تحريمها، فإن الله تعالى قد فصل لنا ما حرم علينا، فما كان من هذه الأشياء حرامًا فلابد أن يكون تحريمه مفصلًا، وكما أنه لا يجوز إباحة ما حرمه الشارع، فكذلك لا يجوز تحريم ما عفا عنه الشارع ولم يحرمه.
وقال تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} ، فهذا دليل على أن كل تحريم لم يرد فيه عن الشارع نص معتمد فهو من التحريم الذي لم يأذن به الله، وما لم يأذن به الله تعالى فحقه الإلغاء والاطراح.