(فصل -23 - )
ومن هذه الأصول أيضًا قولهم: (الأصل في الكلام الحقيقة) .
وهذا أصل عظيم النفع غزير البركة لابد من تحقيقه ودراسته وفهمه حق فهمه، ومن ثم الثبات عليه حتى يرد الناقل، ولأهميته فإني سأتلكم عنه في مسائل:
المسألة الأولى: عرف الأصوليون الحقيقة بأنها استعمال اللفظ فيما وضع له أولًا، ويقابلها المجاز وهو استعمال اللفظ فيما لم يوضع له أولًا بقرينة، كلفظ الأسد فإنه حقيقة في الحيوان المفترس، ولكن قلت لك: رأيت أسدًا قد حمل حقيبته وذهب إلى المدرسة، فإن لفظة (الأسد) هنا قد استعملت في غير ما وضعت له أولًا لأنني لا أريد بها حقيقة الحيوان المفترس، فإن الحيوان المفترس لا يتصور صدور ذلك منه، وإنما أعني الطالب الشجاع، ولكن لو قلت لك: رأيت أسدًا في الغابة نائمًا في عرينه، فلا أظنك تفهم من هذا التركيب إلا حقيقة الأسد المعهودة، فإذا استعملت اللفظة فيما وضعت له فهي الحقيقة، وإذا استعملت في غير ما وضعت له فهو المجاز.
المسألة الثانية: قسم أهل العلم - رحمهم الله تعالى - الحقيقة إلى ثلاثة أقسام: حقيقة لغوية، وحقيقة شرعية، وحقيقة عرفية.
وعرفوا الحقيقة اللغوية بأنها استعمال اللفظ فيما وضع له في اللغة، كاستعمال لفظ الصلاة، ويراد به الدعاء، فإن الصلاة بمعنى الدعاء هو الحقيقة