وإنما من باب الإشارة، فأقول:
المثال الأول: اختلف أهل العلم - رحمهم الله تعالى - في مسألة رضاع الكبير على ثلاثة أقوال:
فمنهم من سد ذلك الباب مطلقًا، وهم أكثر أهل العلم - رحمهم الله تعالى -، واستدلوا بالأدلة الصحيحة الصريحة الدالة على أنه لا رضاع إلا في الحولين، وجعلوا قصة سالم مولى أبي حذيفة من خصائص سالم، فهذا الحكم الوارد في حديثه مخصوص به.
ووسع فيها بعض أهل العلم وهم قليل، ومنهم أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها -، فقالوا: رضاع الكبير ينشر الحرمة مطلقًا ولو بلا حاجة أو ضرورة، واستدلوا بحديث سالم مولى أبي حذيفة، وكلا القولين في قصور أو توسيع للدليل.
ولذلك فالأقرب - إن شاء الله تعالى - هو القول الثالث، وهو أن رضاع الكبير مؤثر في حث من كانت حالته كحالة سالم مع أبي حذيفة وزوجته، وهي حالة الحاجة الشديدة لتكرر دخول الرجل على النساء، فلا هو ممنوع مطلقًا لثبوت النص به، والأصل عدم خصوصية سالم به؛ لأن الأصل في الأحكام التعميم، ولا هو مفتوح مطلقًا؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما قاله لما شكت زوجة أبي حذيفة الحال للنبي - صلى الله عليه وسلم - وأنهم قد كبرا ويحتاجان إلى سالم لخدمتهما، فقال: (( أرضعيه تحرمي عليه ) ).
والجمع بين الأدلة واجب ما أمكن، فلا ينبغي توسيع دلالة النص ولا القصور عنها، والأصل في الكلام الإعمال لا الإهمال.
وبناءً عليه، فالراجح هو القول الثالث، وقلنا ذلك لأن الأصل في الأحكام الشرعية التعميم، والأصل هو البقاء على الأصل حتى يرد الناقل،